ليست القضية اليوم من يجلس على كرسي القيادة داخل هذا الفصيل أو ذاك، بل إلى أين يُقاد الشعب الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام، والدماء، والدمار، والفرص الضائعة. فالأوطان لا تُقاس بالأسماء، وإنما بالقرارات، ولا تُصان بالشعارات، وإنما بالمسؤولية الوطنية.
إن أي تغيير في قيادة أي فصيل لن يحمل قيمة حقيقية إذا بقيت السياسات ذاتها، وإذا استمر الرهان على الخيارات التي عمّقت الانقسام وأثقلت كاهل الفلسطينيين بمزيد من المآسي. الشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل مزيدًا من التجارب، ولا مزيدًا من المغامرات السياسية التي يدفع ثمنها الأطفال والنساء والشيوخ، بينما يبقى الاحتلال هو المستفيد الأول من كل حالة انقسام.
لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شعارات مرتفعة بقدر حاجتها إلى مشروع وطني جامع، وإلى قيادة تضع فلسطين فوق التنظيم، والوطن فوق الحزب، والمصلحة الوطنية فوق أي حسابات أخرى. فالشرعية الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي منظومة سياسية ومؤسساتية يجب أن تكون المرجعية الجامعة لكل الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن دعوة حركة فتح إلى مراجعة السياسات وتغليب المصلحة الوطنية تستحق أن تُؤخذ بجدية، لا باعتبارها سجالًا سياسيًا، بل باعتبارها صرخة وطنية تدعو إلى قراءة الواقع كما هو، لا كما يتمناه البعض. فالسنوات الماضية كانت قاسية على الشعب الفلسطيني، وأي قيادة مسؤولة مطالبة بأن تسأل نفسها: ماذا حققنا؟ وما الذي ينبغي تغييره؟ وهل تستحق الحسابات الفصائلية أن يبقى شعب بأكمله يدفع ثمنها؟
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن القيادة الفلسطينية، برئاسة الرئيس محمود عباس، نجحت في خوض واحدة من أهم المعارك السياسية والدبلوماسية في تاريخ القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي سعى فيه كثيرون إلى اختزال النضال الفلسطيني في ساحات المواجهة وحدها، فتح الرئيس عباس جبهة أخرى لا تقل أهمية، وهي جبهة الشرعية الدولية، حيث خاض معارك سياسية وقانونية ودبلوماسية رسخت اسم فلسطين على خريطة العالم، حتى اعترفت 157 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة بدولة فلسطين رسميًا. وهذا ليس رقمًا عابرًا، بل شهادة دولية على عدالة القضية الفلسطينية، وإنجاز سياسي يُحسب للدبلوماسية الفلسطينية التي استطاعت، رغم الضغوط الهائلة، أن تحشد تأييد غالبية دول العالم لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
لقد أثبت الرئيس محمود عباس أن قوة الدبلوماسية ليست ضعفًا، بل سلاح سياسي قادر على انتزاع الاعتراف، وكسب التأييد، وعزل الاحتلال سياسيًا وأخلاقيًا. فمن خلال حضوره المستمر في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية والمحافل السياسية، حافظ على بقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي، ومنع محاولات طمسها أو تجاوزها، ورسخ مكانة فلسطين كقضية تحظى بشرعية قانونية وأخلاقية لا يمكن القفز عنها أو تجاهلها.
أما الارتهان للمحاور الإقليمية، فقد أثبتت التجارب أنه لا يصنع مشروعًا وطنيًا مستدامًا، ولا يبني دولة، ولا يحرر وطنًا. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تكون ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، وأسمى من أن تُختزل في أجندات إقليمية تتغير بتغير المصالح. إن القرار الفلسطيني المستقل كان وسيبقى حجر الأساس في حماية المشروع الوطني، وهو النهج الذي تمسكت به القيادة الفلسطينية، انطلاقًا من أن فلسطين لا يقرر مصيرها إلا أبناؤها.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة تسجيل النقاط بين الفصائل، بل لحظة إنقاذ وطن. والتاريخ لا يرحم من يكرر الأخطاء، ولا يمنح فرصًا بلا نهاية. فإما أن تنتصر الحكمة، وتتوحد الإرادة، ويُعاد بناء البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والشرعية والمصلحة الوطنية، وإما أن يبقى الانقسام هدية مجانية للاحتلال، يطيل أمد المعاناة ويبدد التضحيات.
لقد آن الأوان أن يسمع الجميع صوت الشعب الفلسطيني، لا صوت الحسابات الفصائلية. آن الأوان أن تكون فلسطين هي العنوان الوحيد، وأن يكون القرار الفلسطيني مستقلًا، وأن تتقدم الوحدة الوطنية على كل ما عداها.
فالأوطان لا تُبنى بالمغامرات، ولا تُحرر بالشعارات، ولا تُصان بالانقسامات، وإنما بقيادة تمتلك رؤية، ودبلوماسية تحصد الاعتراف، ووحدة وطنية تحول التضحيات إلى إنجازات. والتاريخ سيسجل أن فلسطين كلما توحدت إرادتها، وتعزز حضورها السياسي والدولي، اقتربت أكثر من نيل حريتها واستقلالها، وبقيت رايتها مرفوعة بين الأمم، رغم كل محاولات الإقصاء والطمس.
