طلال السُكر-
الأستاذ والاخ العزيز الغالي، الإعلامي والكاتب الكبير، ليس من السهل أن أكتب إليك، لأن الكلمات تضيق عندما يكون الحديث عن إنسان ترك في حياة الآخرين أثرًا لا يمحوه الزمن.
فمنذ أن عرفتك، ومنذ سنوات طويلة، لم أعرفك مجرد معلم، بل مدرسةً كاملة في الأخلاق، والإنسانية، والشهامة. كنت تعطي من علمك وخبرتك وقلبك دون حساب، ولا تنتظر شكرًا ولا جزاءً. كنت تؤمن أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يقدمه للناس، ولذلك كنت كريمًا بعلمك، وبوقتك، وبمواقفك، وبكل ما تستطيع أن تمنحه.
وهناك موقف سيبقى محفورًا في ذاكرتي ما حييت، ولن أستطيع أن أوفيك حقه مهما كتبت. عندما تبنيت قضية مجموعة من الموظفين الذين فُصلوا من إحدى الشركات، لم يكن ذلك شأنًا يخصك، ولم يكن سيضيف إلى اسمك شيئًا، لكن ضميرك لم يسمح لك أن تقف متفرجًا. حملت قضيتهم بكل شجاعة، وكتبت عنها في جريدة الرأي، وأوصلت صوتهم إلى الناس، وكان والدي واحدًا منهم.
قد يكون ذلك بالنسبة لك موقفًا من عشرات المواقف النبيلة التي صنعتها في حياتك، لكنه بالنسبة لي ولأسرتي دينٌ من الوفاء لا يمكن أن يُنسى، وموقفٌ سيظل شاهدًا على نقاء قلبك، وعلى الرجل الذي كان دائمًا يقف مع المظلوم، وينتصر للحق، ويمنح الآخرين الأمل عندما يظنون أن الأبواب كلها قد أُغلقت.
ولهذا كله… عندما أنظر إليك اليوم، لا أرى إنسانًا تُعرّفه الظروف، بل أرى الرجل نفسه الذي كان يزرع الأمل في قلوب الآخرين. وكيف لمن كان مصدرًا للقوة في حياة الناس أن يظن أن قوته قد خذلته؟ وكيف لمن أعاد الأمل لعشرات القلوب أن يسمح لليأس أن يقترب من قلبه؟
منذ أن عرفتك، ما عرفتك إلا الرجل الذي إذا ضاقت الدنيا اتسع صدره، وإذا اشتدت الرياح ثبت مكانه، وإذا انكسر غيره كان هو السند الذي يتكئ عليه الجميع. عرفتك صاحب القلب الكبير، الذي يحمل همّ الآخرين قبل همّه، ويمنح الطمأنينة لكل من حوله.
ولذلك، أرفض أن أصدق أن هذه الأيام يمكن أن تغيّرك أو تهزمك. قد تتعب، نعم، وقد تثقل الخطى، وقد تأتي لحظات تشعر فيها أن الطريق طويل، لكنني أعرفك أكثر من هذه اللحظات. أعرف المعدن الذي خُلقت منه، وأعرف أن في داخلك من القوة ما يفوق كل ما تواجهه.
أريدك أن تتذكر شيئًا واحدًا… أنت لست هذه الأيام الثقيلة، ولست اللحظة التي تعيشها الآن. أنت تاريخ طويل من الصبر، والكرامة، والإرادة، والمواقف المشرفة. كم مرة ظن الناس أن الطريق انتهى، ثم فاجأتهم بأنك بدأت من جديد؟ كم مرة وقفت شامخًا بينما كان غيرك يظن أن الوقوف مستحيل؟
القوة ليست أن لا تشعر بالألم، بل أن لا تسمح له أن يسرق روحك. البطولة ليست أن لا تتعب، بل أن تنهض كل صباح، وتنظر إلى الحياة بعين المؤمن الذي يعلم أن مع العسر يسرًا، وأن بعد كل ضيق فرجًا.
كل يوم تستيقظ فيه هو انتصار. وكل خطوة تخطوها هي خطوة إلى الأمام، حتى وإن بدت صغيرة. وكل ابتسامة ترسمها رغم كل شيء، هي رسالة بأن الإرادة ما زالت أقوى من كل الظروف.
لا تنسَ أنك زرعت الخير في قلوب الناس، وأن دعواتهم اليوم تحيط بك من حيث لا تشعر. هناك من يرفع يديه إلى السماء من أجلك، وهناك من ينتظر أن يراك كما عهدك دائمًا: حاضرًا، مبتسمًا، قويًا، تملأ المكان حياةً وطمأنينة.
ثق بالله… ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الله أعظم من كل صعوبة. وثق بنفسك كما وثقنا بك دائمًا، لأنك لم تكن يومًا رجلًا يستسلم، بل كنت الرجل الذي يحوّل المحنة إلى درس، والتعب إلى عزيمة، واليأس إلى أمل.
وأرجوك… لا تسمح لليأس أن يجد إلى قلبك طريقًا. فهو لا يعرف من أنت. لا يعرف كم مرة انتصرت على الظروف، ولا يعرف كم قلبًا تدعو له السماء بسبب خيرك. سيقول لك إن الطريق طويل، لكنه لن يخبرك أن الفرج قد يكون أقرب إليك من رمشة عين، وأن الله لا يخذل عبدًا أحسن الظن به.
وأعدك من أعماق قلبي، كما أنا واثق من شروق الشمس بعد الليل، سيأتي اليوم الذي تنظر فيه إلى هذه المرحلة على أنها صفحة صعبة، لكنها صنعت منك إنسانًا أقوى، وأقرب إلى الله، وأكثر إيمانًا بالحياة. ستعود ابتسامتك كما عهدناها، وسيعود صوتك الذي اعتدنا أن نستمد منه القوة، وستروي هذه الأيام لا لتبكيها، بل لتحمد الله أنك تجاوزتها.
فانهض بقلبك قبل جسدك، وتمسك بالأمل كما تمسكت دائمًا بالحق، وتمسك بالله أكثر من كل شيء. فما دام في صدرك نفس، ففي حياتك رسالة لم تكتمل بعد، وخير لم ينته بعد، وأيام جميلة لم تأتِ بعد.
ستعبر هذه المرحلة بإذن الله… لأنك لم تُعرف يومًا إلا رجلًا إذا اشتدت عليه المحن، ازداد ثباتًا. وإذا ضاقت به الدنيا، اتسع يقينه بالله. وإذا ظن الناس أن الطريق انتهى، بدأ هو من جديد.
حفظك الله، وألبسك ثوب الصحة والعافية، وأقرّ أعين كل من يحبك برؤيتك معافًى، قويًا، كما عرفناك دائمًا… وكما سيبقى يعرفك كل من عرفك.
