تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من الاستنفار الشديد والاضطراب غير المسبوق داخل معسكر اليمين الحاكم، وسط مؤشرات تدل على قرب حدوث زلزال سياسي يعيد تشكيل القيادة الحزبية في إسرائيل.
ويعكس هذا الحراك تحولاً جوهرياً في استراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يبدو مستعداً لاتخاذ خطوات غير تقليدية لضمان بقائه في السلطة، من بينها التفكير الجدي في دمج وزير المالية وزعيم حزب الصهيونية الدينية، بتسلئيل سموتريتش، ضمن قائمة حزب الليكود في الانتخابات المقبلة المقررة في تشرين الأول 2026.
وتأتي هذه المناورة السياسية بعد أن كان نتنياهو يستبعد سابقاً التحالف المباشر مع أقطاب اليمين المتطرف مثل إيتمار بن غفير، مدفوعاً بتقديرات انتخابية تشير إلى أن سموتريتش بمفرده قد لا يتجاوز نسبة الحسم المقررة لدخول الكنيست، حيث يستقر تأييده في استطلاعات الرأي الأخيرة عند حدود 2.7% فقط، ما يهدد بضياع آلاف الأصوات الثمينة على معسكر اليمين الحاكم.
في المقابل، يواجه رئيس الوزراء مأزقاً حاداً يتمثل في عبء الائتلاف الحكومي الحالي وتأثيره السلبي على حظوظه الانتخابية.
فبينما تظهر استطلاعات الرأي، لا سيما تلك الصادرة عن القناة 12 الإسرائيلية، أن الليكود قد يحصل على 25 مقعداً، تبرز فجوة واضحة بين شعبية نتنياهو الشخصية والتقييم المتدني الذي يحظى به الوزراء المقربون، مثل وزير الحرب يسرائيل كاتس، ووزير القضاء ياريف ليفين، ووزيري اليمين المتطرف سموتريتش وبن غفير.
وتُظهر هذه المعطيات أن كتلة الائتلاف الحالية لن تتجاوز في مجموعها 50 مقعداً، مقابل تفوق صريح للمعارضة وحزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت وحزب نفتالي بينيت بـ 70 مقعداً، ما يعكس رغبة شريحة واسعة من الناخبين في تغيير التركيبة الحكومية الحالية حتى وإن كانوا يرون نتنياهو شخصية ملائمة لإدارة الدولة.
ولا تقتصر الأزمة على تراجع الشعبية فحسب، بل تمتد إلى عمق حزب الليكود الذي يشهد تصدعات داخلية تنذر بولادة تيارات بديلة.
ويشكل إعلان النائب يولي أدلشتاين عدم رغبته في الترشح مجدداً ضمن قائمة الليكود مؤشراً واضحاً على هذا الشرخ، وسط تقارير تتحدث عن تحركات سرية لتأسيس إطار سياسي جديد يحمل اسم «ليكود ب».
وتضم هذه المبادرة شخصيات يمينية بارزة ومؤسساتية مثل موشيه كحلون، وشاران هاسكل، وجلعاد أردان، وتهدف إلى بناء حزب يميني قومي يسعى لتشكيل حكومة واسعة خالية من العناصر المتطرفة، ولا يكون أداة طيعة بيد نتنياهو أو قادة المعارضة الحاليين.
وقد أثار إدراج هذا السيناريو في الاستطلاعات الداخلية حالة من الاستنفار في مكتب رئيس الوزراء خوفاً من تشتت القاعدة الناخبة التقليدية لليكود لصالح تيار يميني معتدل.
وعلى صعيد التحالفات الدينية، يبدو أن هوامش المناورة المتاحة أمام نتنياهو قد استُنفدت بالكامل مع الأحزاب الحريدية، بعد أن أدركت المرجعيات الدينية أن الوعود الحكومية المتعلقة بإعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية باتت بلا رصيد فعلي في ظل الضغوط الشعبية والقانونية. ووصلت هذه الأزمة إلى ذروتها مع صدور تعليمات صارمة ومباشرة من الزعيم الروحي لحزب «ديجل هاتوراه»، الحاخام دوف لاندو، لنواب الحزب بدعم قانون حل الكنيست فوراً.
وتشير الأوساط الحريدية إلى أنهم يبحثون بشكل جدي عن بدائل تحالفية جديدة خارج معسكر نتنياهو، لدرجة عدم ممانعتهم دعم رئيس حزب المعارضة غادي آيزنكوت لرئاسة الوزراء، شريطة تأمين الميزانيات الخاصة بمؤسساتهم وضمان تسوية ملف التجنيد.
وفي سياق هذه البيئة السياسية المشحونة، تصاعدت التحذيرات الصادرة من شخصيات أمنية سابقة في الدولة العميقة حول طابع المواجهة الانتخابية القادمة، حيث توقع المستشار القانوني السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك)، إيلي بكار، أن تكون هذه الانتخابات الأعنف والأكثر دموية في تاريخ البلاد.
ويعود ذلك إلى إدراك أقطاب الائتلاف الحالي أن خسارة السلطة تعني مواجهة تداعيات مادية وشخصية وقانونية قاسية.
ووجه بكار انتقادات حادة لجهاز الشرطة، معتبراً أنه خضع تماماً لأهواء وزير عنيف وعنصري، ومحذراً من سيناريوهات خطيرة تشمل استغلال جماعات يمينية متطرفة لتفجير المؤتمرات الانتخابية للمعارضة، واستخدام أجهزة الدولة لترهيب الخصوم السياسيين وتقويض القوة التصويتية للمواطنين العرب.
أما على الصعيد الاستراتيجي والمتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن محاولات دمج الصهيونية الدينية في صلب الليكود تعكس توجهاً نحو تسريع وتيرة الاستيطان وضم الأراضي في الضفة الغربية، مستفيدين من غياب النقاش السياسي الجدي داخل إسرائيل حول مستقبل الصراع وتجنب العواقب بعيدة المدى، على غرار النهج الإدراكي الذي ساد قبل أحداث «7 أكتوبر».
ويحذر خبراء ومحللون من تحول إسرائيل التدريجي إلى ما يشبه «إسبرطة جديدة» تعتمد على الحرب كحالة دائمة، وتطالب الجمهور بالطاعة والاصطفاف الأعمى وراء القيادة، معتمدة على استخدام القوة المفرطة والشعارات الأيديولوجية الضيقة كبديل عن الرؤية السياسية الشاملة.
وتلخص هذه المشهدية المعقدة حقيقة أن نتنياهو يخوض اليوم معركة وجودية وشخصية بامتياز، تداخلت فيها الحسابات الحزبية بالملفات القضائية الجنائية الدولية والمحلية التي تلاحقه.
وفي سبيل الحفاظ على مقعده، يبدو مستعداً لاستخدام كافة الأدوات المتاحة، بدءاً من إعادة هندسة معسكر اليمين وتصعيد المواقف في الضفة الغربية وقطاع غزة، وصولاً إلى تعميق الاستقطاب الداخلي، مما يجعل حل الدولتين أو أي تسوية سياسية مستندة إلى القانون الدولي أمراً بعيد المنال في الأفق المنظور، ويضع البلاد برمتها على أعتاب تحولات دراماتيكية غير مسبوقة.
