216
عروبة الإخباري – كتبت باسكال حرب –
لا تسألْ لماذا جئتُ هذا المساء
أفتّشُ في جيوبِك عن ذنبٍ صغير،
وأعلّقُ على صمتِكَ تهمةً،
وعلى تأخّركَ دقائقَ
قضيةً تستحقُّ محكمةً كاملة…
لا تسألْ
لماذا أغضبُ من أشياء
كنتُ أمسِ أراها جميلة…
فأنا لا أتشاجرُ معكَ لأنّي أكرهكَ،
بل لأنّ الشوقَ حين يفيضُ
يتنكّرُ أحياناً
ويرتدي ثيابَ الغضب.
أنا المرأةُ التي تخجلُ من الاعترافِ
أنّها اشتاقت،
فتقولُ لكَ:
“أهملتني…”
بينما كانت تريدُ أن تقول:
“كنتُ أنتظرُ صوتكَ
كما تنتظرُ الأرضُ المطر.”
وأقولُ لكَ:
“لم تعد تهتمّ…”
بينما كان قلبي يصرخُ:
“أعطني إشارةً واحدةً
تؤكّد أنّني ما زلتُ وطنكَ.”
ربّما هو الكبرياء…
وربّما خوفُ النساءِ القديم
من أن يضعنَ قلوبهنّ كاملةً
في يدِ الرجال وربما دلال
وربّما كنتُ أراهنُ على حبّكَ،
أمدُّ الحبلَ بيننا أكثرَ وأكثر،
وأراقبُ:
هل ستشدُّه إليكَ؟
أم ستتركُه يسقطُ
ومعه أسقطُ أنا؟
أفتعلُ العواصفَ أحياناً
لا لأنّي أحبُّ الحرب،
بل لأنّي أريدُ أن أعرفَ
إن كنتَ ستقاتلُ من أجلي…
أريدُ أن أرى
كم مرّةً ستعيدُني
إذا لوّحتُ بالرحيل.
وحين لا تأتي…
حين لا تأتي
ينهارُ كلُّ المنطقِ داخلي
لا يعودُ تأخّركَ ساعةً،
بل يصبحُ دليلاً
على أنّ مكاني عندكَ أصغرُ
ممّا تخيّلت
ويتحوّلُ الغيابُ في رأسي
إلى محكمةٍ أخرى،
أنتَ فيها المتّهم،
وأنا القاضي والجلّاد والضحيّة.
أغضبُ…
لا منك وحدكَ،
بل من احتمالاتي كلّها
من فكرةِ أنّني أحببتُ أكثر،
وانتظرتُ أكثر،
وخفتُ أكثر
وأشعرُ كأنّ ميزانَ حبّكَ
لا يساوي وزنَ حبّي،
وكأنّ قلبي
يدفعُ وحدهُ فاتورةَ هذه العلاقة
عندها
يتحوّلُ الشوقُ إلى خوف،
والخوفُ إلى شكّ،
والشكُّ إلى جنونٍ صغير
يكبرُ كلّ ليلةٍ في صدري
وتبدأُ المعركة…
معركةٌ داميةٌ
بين امرأةٍ تريدُ البقاء،
وامرأةٍ أخرى
تستعدُّ للرحيلِ قبل أن تُخذَل
بين يدٍ تمتدُّ نحوكَ،
ويدٍ أخرى
تتظاهرُ بأنّها لم تعد تحتاجُ أحداً
بين قلبي الذي يريدُ أن يقول:
“ابقَ…”
وكبريائي الذي يهمسُ له:
“لا تتوسّل.”
وفي النهاية…
لا تكونُ المشكلةُ
في الغيابِ نفسه،
بل في ذلك الطفلِ المرتجفِ داخلَ القلب
الذي يسألُ بصوتٍ لا يسمعه الصدى
إذا اختفيتُ قليلاً…
