كتبت الإعلامية الدكتورة عبير العربي –
حين يلتقي الفن بالهوية، وتتحول الأزياء إلى قصيدة تُكتب بخيوط الذهب، يصبح الحضور أكثر من مجرد إطلالة، ويغدو المشهد احتفاءً بتاريخ أمةٍ وحضارةٍ لا تنضب. بهذا المعنى، استوقفت آية السيسي الأنظار خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية “الأوكتاغون”، في ظهور نادر حمل بين طياته رسائل من الأصالة والاعتزاز بالموروث المصري، حيث لم يكن الفستان مجرد تصميم أنيق، بل سردية بصرية اختزلت روح مصر، واستحضرت عظمة تاريخها في تفاصيل تنطق بالرقي والرمزية.
ولم يكن اختيار الفستان الأبيض، الذي حمل توقيع المصممة المصرية مرام برهان، قرارًا جماليًا فحسب، بل بدا وكأنه يحمل رؤية متكاملة تجمع بين البساطة والأناقة والرمزية. فاللون الأبيض، بما يوحي به من صفاء ووقار، انسجم مع طبيعة المناسبة الرسمية، فيما أضفت التفاصيل الذهبية لمسة استحضرت عبق الحضارة المصرية، لتصبح كل غرزة جزءًا من رواية عنوانها: مصر.

#image_title

#image_title
وزاد من فرادة الإطلالة ذلك التطريز الذهبي الذي حمل عبارة: “في عينيها وطن، وفي قلبها تاريخ، وقلبها من ذهب”، وهي كلمات لم تُقرأ بوصفها عنصرًا زخرفيًا فحسب، بل باعتبارها رسالة رمزية تحتفي بالوطن وتستدعي عمق تاريخه. وبذلك تجاوز التصميم حدود الموضة، ليقدّم نموذجًا يوظف الفن والأزياء في التعبير عن الانتماء والهوية الثقافية.
وقد أوضحت المصممة مرام برهان أن التصميم استُلهم من عناصر القوة والهوية المصرية، مؤكدة أن كل تفصيلة جاءت لتروي معنى، وأن الإطلالة صُممت بروح هادئة تحمل رسائلها دون صخب. وهو ما انعكس بوضوح في ردود الفعل التي رأت في هذا الظهور نموذجًا للأناقة الراقية التي لا تعتمد على المبالغة، بل على الفكرة والرمز.
ولا يمكن فصل هذه الإطلالة عن نهج بات يميز ظهور آية السيسي في المناسبات الرسمية، إذ سبق أن لفتت الأنظار خلال افتتاح المتحف المصري الكبير عندما ارتدت تصميمًا استوحى تفاصيله من الحضارة الفرعونية، في مشهد اعتبره كثيرون احتفاءً بالإبداع المصري وبالإرث الحضاري الذي يمثل أحد أبرز عناصر القوة الناعمة لمصر.
ورغم أن آية السيسي تظل من أكثر أفراد العائلة الرئاسية ابتعادًا عن الإعلام، ولا تحضر إلا في مناسبات رسمية محدودة، فإن كل ظهور لها يتحول إلى محور اهتمام واسع. ويرتبط ذلك بندرة إطلالاتها، التي تجعل كل مشاركة محل متابعة، سواء من المهتمين بالموضة أو من المتابعين للشأن العام، وهو ما يفسر الحضور الإعلامي الكبير الذي يرافق ظهورها.
كما سلّطت هذه الإطلالة الضوء على الحضور المتنامي للمصممين المصريين، الذين يواصلون تقديم أعمال تستلهم التاريخ والهوية وتعيد صياغتهما بلغة عصرية. فحين تمتزج الحرفة بالإبداع، وتلتقي الفكرة بالذوق، تتحول الأزياء إلى وسيلة تعبير ثقافي تحمل في تفاصيلها ملامح وطن كامل.
وفي النهاية، أثبت هذا الظهور أن الإطلالة الراقية لا تُقاس بكثرة الزخارف أو بهرجة التفاصيل، بل بقدرتها على إيصال رسالة واضحة بأناقة وهدوء. فقد نجح هذا التصميم في تحويل قطعة أزياء إلى مساحة للتعبير عن الهوية، وفي استحضار التاريخ المصري بروح معاصرة، ليبقى مثالًا على أن الموضة، حين ترتبط بالفكرة والانتماء، تستطيع أن تروي قصة وطن بأكمله دون أن تنطق بكلمة واحدة.
