ليس كل ما يُقال يحتاج إلى صوت، فبعض الرسائل تكتفي بأن تمرّ أمام العين لتستقر في القلب. وقد تكون كلمة واحدة، أو عبارة قصيرة، أبلغ من خطبٍ طويلة أنهكتها البلاغة وفقدت روحها.
في إطلالتها الأخيرة عبر برنامج “أحلى صباح” على شاشة تلفزيون لبنان، اختارت الإعلامية نانسي شحادة أن تحمل رسالة من دون أن تنطق بها. اكتفت بعبارة صغيرة ارتسمت على قميصها: More Amore Por Favor… “حب اكتر بعد اذنك.”
لم تكن زينةً على قطعة قماش، ولا تفصيلًا عابرًا في إطلالة إعلامية، بل كانت صلاةً صامتة في زمنٍ علا فيه ضجيج الخصام، وخفت فيه همس المحبة. رسالةٌ لا تحتاج إلى شرح، لأنها تخاطب الإنسان بلغته الأولى؛ اللغة التي تسبق الكلمات، وتسكن القلب قبل العقل.
يا لها من عبارة تختصر ما عجزت عن قوله آلاف الخطب.
ففي زمنٍ صار الغضب فيه أسرع من السلام، وصارت الكلمة الجارحة أكثر تداولًا من الكلمة الطيبة، بدا هذا النداء أشبه بنافذةٍ فُتحت فجأة في غرفةٍ أثقلها الاختناق. أمنيةٌ إنسانية بسيطة، لكنها في معناها توازي اتساع العالم.
كأنها تقول إن العالم لا ينقصه الذكاء بقدر ما تنقصه الرحمة، ولا تنقصه المعرفة بقدر ما تنقصه المحبة، ولا يشكو قلة الأصوات، بل قلة القلوب التي ما زالت تعرف كيف تُصغي، وكيف تغفر، وكيف تحب.
كان جبران خليل جبران يرى أن المحبة ليست عاطفة عابرة، بل نورًا يوقظ الإنسان من عتمته، ويعيد إليه إنسانيته كلما أوشكت أن تضيع. وكان يؤمن بأن القلب الذي امتلأ حبًا، صار أوسع من الألم، وأقوى من الكراهية، وأقرب إلى الله. ومن هذا المعنى، بدت تلك العبارة الصغيرة امتدادًا لذلك الإيمان القديم بأن خلاص الإنسان يبدأ من قلبه، وأن الحضارة التي تفقد الرحمة، مهما بلغت من التقدم، تبقى فقيرة الروح.
كم من الحروب بدأت بكلمة كراهية، وكم من الأوطان تصدعت لأن المحبة غابت عن تفاصيلها الصغيرة؟ وكم من إنسان كان يحتاج إلى كلمة حانية أكثر من حاجته إلى ألف نصيحة؟ فالحب ليس ضعفًا كما يظنه المتعبون، بل هو أقوى أشكال المقاومة. أن تُحب في زمن القسوة بطولة، وأن تبتسم في وجه العبوس شجاعة، وأن تتمسك بالأمل بينما يصرّ الآخرون على صناعة الخوف… تلك ثورة هادئة لا يسمع ضجيجها إلا أصحاب القلوب الحية.
وربما هنا تكمن قوة الرسالة التي حملتها نانسي شحادة. فهي لم ترفع شعارًا سياسيًا، ولم تدخل في سجال، ولم تبحث عن لفت الأنظار. اختارت فقط أن تهمس للعالم بأن الإنسان، مهما اختلفت لغته أو ثقافته أو معتقده، يبقى محتاجًا إلى جرعة أكبر من المحبة.
قد يظن البعض أن الرسائل الكبرى لا تُحمل إلا على المنابر، لكن الحقيقة أن أعظمها يولد من التفاصيل. من ابتسامة، أو كلمة طيبة، أو موقف نبيل، أو حتى من عبارة يقرأها مشاهد عابر في بداية نهاره، فتوقظ فيه شيئًا جميلًا كان يوشك أن ينام. فالإيجابية لا تُفرض، وإنما تُلهم، والحب لا يُعلَّم بالخطب، بل ينتقل من قلب إلى قلب، كما ينتقل الضوء مع أول خيط للفجر.
إن الإعلام الحقيقي ليس مجرد كاميرا وميكروفون، ولا سباقًا إلى الخبر العاجل، بل هو القدرة على أن يترك أثرًا جميلًا في نفس من يشاهد. أن يجعل صباحه أخف، وروحه أكثر اتساعًا، وإيمانه بالخير أقل اهتزازًا. فالكلمة التي تبعث الطمأنينة قد تكون، في كثير من الأحيان، أهم من الخبر الذي يتصدر العناوين.
ولعل أجمل ما في المحبة أنها لا تحتاج إلى لغة واحدة. لذلك جاءت عبارة “More Amore Por Favor” منسوجة من أكثر من لغة، لكنها تحدثت بلغة واحدة يفهمها الجميع… لغة الإنسان. اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها تُقرأ بالقلوب قبل العيون.
كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لهذه اللغة؛ أن نكتبها في سلوكنا قبل دفاترنا، وأن نعلّمها لأبنائنا قبل أن نعلّمهم المنافسة، وأن نجعلها عنوانًا لإعلامنا، ومدارسنا، وشوارعنا، وبيوتنا. فالعالم لا ينقصه المزيد من الجدران، بل المزيد من الجسور. ولا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين على بعضهم، بل إلى بشر ينتصرون لإنسانيتهم.
تحية للإعلامية نانسي شحادة، لأنها اختارت أن تقول الكثير بالقليل، وأن تجعل من حضورها رسالة، ومن إطلالتها مساحة ضوء، ومن عبارة صغيرة مكتوبة على قماش نافذةً واسعة تطل على عالم أكثر رحمة.
“More Amore Por Favor”
ليست مجرد كلمات، إنها فلسفة حياة، ودعوة إلى أن نسترد إنسانيتنا قبل أي شيء آخر.
ولعلها، في هذا الزمن المثقل بالتعب، أجمل ما يمكن أن يُقال… وأصدق ما يمكن أن يُعاش.
