عروبة الإخباري –
كتبت الدكتورة الإعلامية عبير العربي –
لم يكن الأمر مجرد مباراة في كأس العالم، ولم يكن التأهل مجرد عبور إلى دور جديد، بل كان إعلانًا مدويًا بأن منتخب مصر عاد ليكتب اسمه بحروف من ذهب على المسرح الأكبر لكرة القدم. في ليلة امتزجت فيها الشجاعة بالإصرار، والعزيمة بالإيمان، انتزع الفراعنة بطاقة التأهل إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026، بعد انتصار ملحمي على المنتخب الأسترالي بركلات الترجيح، عقب انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل (1-1)، ليؤكدوا أن مصر ليست مجرد ضيف في هذا المونديال، بل منافس حقيقي جاء ليصنع التاريخ.
ليلة ستظل محفورة في ذاكرة الكرة المصرية والعربية، عنوانها “الروح المصرية”… تلك الروح التي لا تعرف الانكسار، ولا تعترف بالمستحيل مهما بلغت الضغوط، لتمنح ملايين الجماهير لحظة فخر ستظل تتردد في الأذهان طويلًا. لقد أثبت الفراعنة أن شخصية الأبطال لا تُقاس بالنتائج فقط، بل بالطريقة التي ينهضون بها بعد كل اختبار، وبالإيمان الذي يحملونه حتى صافرة النهاية.
منذ اللحظة الأولى، دخل رجال مصر أرض الملعب بثقة الكبار. لم ينتظروا منافسهم، ولم يلجأوا إلى الحذر، بل فرضوا شخصيتهم على المباراة، وتحكموا في إيقاع اللعب، وقدموا أداءً اتسم بالانضباط التكتيكي والصلابة الدفاعية والجرأة الهجومية، ليؤكدوا أن هذا الجيل يمتلك كل المقومات لمقارعة أقوى منتخبات العالم.
وجاءت المكافأة سريعًا في الدقيقة الثالثة عشرة، عندما أرسل كريم حافظ كرة عرضية متقنة ارتقى لها إمام عاشور ببراعة، ليحولها برأسية رائعة إلى الشباك، معلنًا تقدم الفراعنة وسط فرحة عارمة، في هدف جسّد الإصرار والطموح والرغبة في كتابة صفحة جديدة من المجد.
لكن كرة القدم كثيرًا ما تختبر قلوب الأبطال.
فبعد بداية الشوط الثاني، جاء هدف التعادل الأسترالي بالنيران الصديقة بعدما حاول محمد هاني إبعاد كرة ثابتة، لتسكن الشباك وسط دهشة الجميع. إلا أن هذا الهدف لم يهز ثقة المنتخب المصري، ولم يفقد لاعبيه تركيزهم، بل زادهم إصرارًا على مواصلة القتال، مؤمنين بأن النهاية لم تُكتب بعد.
استعاد الفراعنة زمام المبادرة سريعًا، وواصلوا الضغط وتهديد المرمى الأسترالي، وصنعوا العديد من الفرص، وكان رامي ربيعة على بعد سنتيمترات من منح مصر بطاقة العبور في الوقت الأصلي، لولا تألق الحارس الأسترالي الذي أبقى منتخب بلاده في اللقاء.
وفي الوقت الإضافي، ظهرت الشخصية الحقيقية لهذا المنتخب.
ركض اللاعبون حتى آخر قطرة عرق، وقاتلوا على كل كرة، وأغلقوا المساحات، ورفضوا الاستسلام للإرهاق، ليؤكدوا أن منتخب مصر لا يعتمد فقط على المهارة، بل يمتلك عقلية المقاتلين الذين يعرفون كيف يصمدون تحت أقسى الضغوط.
ثم جاءت اللحظة التي تصنع الأساطير…
ركلات الترجيح.
هناك، حيث تتجمد الأعصاب، ويصبح الخطأ ممنوعًا، وقف لاعبو مصر بثقة وثبات يليقان بمنتخب يحلم بالمجد. تقدم البديل محمود صابر وسجل بكل هدوء، ثم تبعه رامي ربيعة، قبل أن يتقدم القائد محمد صلاح ليؤكد مجددًا أنه رجل المواعيد الكبرى، واضعًا الكرة بثقة داخل الشباك، ليأتي بعدها حسام عبد المجيد ويحسم المهمة، بينما ابتسمت الكرة للفراعنة بعدما أهدر المنتخب الأسترالي ركلتين، لتنطلق الاحتفالات المصرية معلنة ميلاد ليلة جديدة من ليالي المجد.
هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن انتصار أحد عشر لاعبًا فقط، بل كان ثمرة عمل طويل، وروح قتالية عالية، والتزام تكتيكي مميز، وإيمان لا يتزعزع بقدرة هذا المنتخب على الذهاب بعيدًا في البطولة. لقد أثبت لاعبو مصر أن اسم “الفراعنة” لا يزال يحمل هيبته في المحافل العالمية، وأن القميص المصري ما زال يفرض احترامه أمام أقوى المنافسين.
لقد أثبت المنتخب المصري أن كرة القدم لا تُحسم بالأسماء وحدها، بل بالإيمان، والانضباط، والشخصية، والقدرة على الوقوف بعد كل عثرة. وأثبت أن هذا الجيل لا يريد الاكتفاء بالمشاركة، بل يسعى إلى صناعة إرث جديد يخلده في تاريخ الكرة المصرية.
واليوم، لم يعد الحلم مجرد التأهل إلى دور جديد، بل أصبح الحلم أكبر من ذلك بكثير.
الحلم هو مواصلة كتابة التاريخ.
الحلم هو بلوغ أبعد نقطة ممكنة في كأس العالم.
الحلم هو تحقيق الإنجاز الذي طالما انتظرته الجماهير المصرية عبر عقود طويلة.
وينتظر المنتخب المصري الآن الفائز من مواجهة الأرجنتين والرأس الأخضر في دور الـ16، لكن الرسالة التي بعث بها الفراعنة إلى العالم كانت واضحة:
مصر ليست ضيفًا في كأس العالم… مصر جاءت لتنافس، ولتقاتل، ولتحلم، ولتثبت أن مكانها الطبيعي بين كبار اللعبة.
وهكذا، يواصل الفراعنة رحلتهم في مونديال 2026، رافعين راية الطموح، ومسنودين بملايين القلوب التي تؤمن بأن القادم قد يكون أعظم. فما دام الأداء بهذه الروح، والإيمان بهذا الحجم، فإن المستحيل لم يعد له مكان في قاموس منتخب مصر، وربما تكون هذه الليلة مجرد بداية لحكاية تاريخية جديدة، حكاية قد يرويها العالم طويلًا باعتبارها واحدة من أجمل قصص المونديال.
434
