كتبت الإعلامية الدكتورة عبير العربي –
هناك لحظات نادرة في حياة الكاتب يشعر فيها أنه لا يعود صاحب النص، بل أحد قرائه. وهناك لحظات يكتشف فيها أن الكلمات التي خطّها في عزلة الكتابة كانت تحمل من المعاني أكثر مما ظن، وأن النص الذي خرج من قلبه كان يعرف طريقه إلى قلوب الآخرين قبل أن يعرف هو نفسه إلى أين يمضي.
هذا ما حدث لي في الأمسية الأولى لصالوني الأدبي، يوم 1 يونيو، التي جاءت احتفاءً بمجموعتي القصصية «على مهل… خرجت من ظله».
دخلت القاعة وأنا أحمل تصوري الخاص عن الكتاب، وعن المرأة التي سكنت صفحاته، وعن الرحلة التي أردت لها أن تُروى. كنت أظن أنني أعرف جيدًا بطلة العمل، وأعرف جيدًا ما الذي انتصرت عليه وما الذي خسرته وما الذي تعلمته. لكن ما حدث في تلك الأمسية أعاد تشكيل رؤيتي للنص بأكمله.
فقد وجدت نفسي أمام قراءات لم تكن تشرح الكتاب بقدر ما كانت تفتح أبوابًا جديدة داخله.
كل مداخلة كانت أشبه بمصباح يُضاء في غرفة لم أدخلها من قبل. كل قارئ كان يعثر على معنى مختلف. كل رؤية كانت تكشف طبقة أخرى من الروح المختبئة بين السطور.
هناك من رأى أن المجموعة في جوهرها رحلة تعافٍ. وهناك من رأى أنها رحلة وعي. وهناك من قرأها بوصفها حكاية امرأة استعادت نفسها بعد سنوات من التآكل النفسي والإنهاك العاطفي.
لكن القراءة التي أحدثت في داخلي رجفة حقيقية كانت تلك التي توقفت عند فكرة شديدة العمق والبساطة في آن واحد: أن بطلة العمل لم تنتصر لأنها خرجت من العلاقة المؤذية. بل انتصرت لأنها خرجت من الحاجة إلى الانتصار. لم أفكر في الأمر بهذه الصيغة من قبل. لكنني عندما استمعت إليها شعرت أنني أسمع حقيقة كانت مختبئة في النص منذ البداية.
فالخروج من علاقة مؤذية ليس دائمًا نهاية المعركة. كثيرون يخرجون بأجسادهم بينما تبقى أرواحهم سجينة. كثيرون يغادرون الأشخاص لكنهم يظلون يحملونهم في ذاكرتهم وغضبهم ووجعهم وخيباتهم. كثيرون يبتعدون عن السجن بينما يستمر السجن في داخلهم.
أما بطلة «على مهل… خرجت من ظله» فقد فعلت شيئًا أصعب بكثير. لقد خرجت من الظل نفسه. خرجت من سيطرة الألم. خرجت من أسر الذاكرة. خرجت من الرغبة في الانتقام. خرجت من الحاجة إلى إثبات شيء لأحد. خرجت من المنطقة التي يتحكم فيها الجرح بمصير الإنسان.
وهنا يكمن الانتصار الحقيقي. فالانتصار ليس أن نهزم الآخر. بل أن نتوقف عن حمله داخلنا. ليس أن نسقطه. بل أن نفقد الاهتمام بسقوطه أو بقائه.
ليس أن نرد الأذى بأذى مثله. بل أن نرتقي إلى مستوى لا يعود فيه الأذى قادرًا على تشكيل وعينا أو مصادرة سلامنا. لذلك لفت انتباهي بشدة ما قاله بعض الحضور من أن البطلة وصلت إلى مرحلة تصالحت فيها حتى مع النرجسي نفسه. ولأن هذا التعبير قد يُساء فهمه، فقد كان من الضروري التوقف أمام معناه الحقيقي.
فالتصالح هنا لا يعني التبرير. ولا يعني الغفران المجاني. ولا يعني العودة. ولا يعني نسيان ما حدث. بل يعني التحرر… التحرر الكامل.
أن يصبح المؤذي جزءًا من الماضي لا جزءًا من الحاضر. أن يفقد قدرته على إثارة الغضب كلما مر اسمه في الذاكرة. أن يتحول من مركز للعاصفة إلى مجرد محطة في الطريق. عندها فقط يصبح الإنسان حرًا. وعندها فقط يكتمل التعافي.
لقد أدركت خلال تلك الأمسية أن أخطر ما يفعله النرجسي ليس ما يسببه من ألم أثناء وجوده. بل ما يتركه من آثار بعد رحيله. إنه يحاول أن يبقى حاضرًا حتى وهو غائب. أن يواصل احتلال المشاعر بعد انتهاء العلاقة. أن يستمر في استنزاف الطاقة حتى من وراء المسافات.
ولهذا فإن أعظم انتصار على النرجسية ليس المواجهة. بل التحرر. وليس الحرب. بل السلام. وليس الكراهية. بل تجاوز الكراهية نفسها.
ومن هنا بدأت أفهم سرّ ارتباط هذه الرؤية بالإهداءات التي تصدرت الكتاب. الإهداء الأول كان لأمي الحبيبة ثريا نجم الدين. المرأة التي لم تكن مجرد أم، بل كانت مدرسة كاملة في المحبة والاحتواء والعطاء. المرأة التي زرعت في وجداني منذ الطفولة أن القوة الحقيقية لا تأتي من القسوة، بل من القدرة على الاحتفاظ بالنور رغم العتمة.
أما الإهداء الثاني فكان لابنتي ماليكا. ذلك الامتداد الجميل للحياة. وذلك الوعد المستمر بأن المستقبل قادر دائمًا على الانتصار على الماضي. ثم جاءت الإهداءات الأخرى بكل ما تحمله من رمزية ودلالة.
إهداء للنرجسي. وإهداء للحب الحقيقي. وهنا فقط بدت الصورة مكتملة. فالمسافة بين الإهداءين ليست مجرد مسافة بين شخصين.
إنها مسافة بين عالمين. بين الألم والشفاء. بين الخذلان والطمأنينة. بين الوهم والحقيقة. بين ما يكسر الإنسان وما يعيده إلى نفسه.
ولعل أجمل ما منحته لي تلك الأمسية أنها أكدت من جديد أن الأدب ليس ما نكتبه فقط. الأدب هو ما يحدث بعد الكتابة.
هو ما يوقظه النص في الآخرين. هو ما يثيره من أسئلة. هو ما يفتحه من نوافذ. هو تلك اللحظة التي يكتشف فيها قارئ ما معنى لم يكن الكاتب نفسه قد انتبه إليه. ولهذا السبب لا يموت الأدب. لأنه يتجدد مع كل قراءة. ويولد من جديد مع كل قارئ. ويستمر في النمو بعد أن يغادر يد صاحبه. لقد دخلت تلك الأمسية وأنا أحمل كتابًا.
وخرجت منها وأنا أحمل تجربة إنسانية كاملة. خرجت منها أكثر إيمانًا بأن الكلمة الصادقة لا تنتهي عند حدود الورق. بل تبدأ منه. وأن النص الحقيقي ليس ما نكتبه فقط. بل ما يتركه في أرواح الآخرين من أثر. أما الأثر الذي تركته تلك الأمسية في روحي فسيبقى طويلًا. لأنني لم أرَ فيها قرّاء يناقشون كتابًا. بل رأيت قلوبًا تعيد اكتشاف المعنى. ورأيت عقولًا تبحث عن النور داخل التجارب الإنسانية المعقدة.
ورأيت كيف يمكن للأدب أن يتحول من مجرد نص مكتوب إلى مساحة شفاء جماعية، وإلى حوار عميق بين الإنسان ونفسه. وفي نهاية الأمسية أدركت حقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد:
أن المرأة التي خرجت من الظل على مهل… لم تكن تهرب من أحد. كانت تعود إلى نفسها. وهذا هو أعظم انتصار يمكن لإنسان أن يحققه في حياته.
