في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها السينما العربية المعاصرة، حيث تتقدم التقنيات البصرية والإنتاج الضخم على حساب البناء السردي أحيانًا، تطالعنا د. عبير العربي بقراءة لفيلم Seven Dogs بوصفها نموذجًا نقديًا متماسكًا يعيد التوازن إلى معادلة طالما اختلت بين “الإبهار” و“المعنى”.
إن ما يلفت الانتباه في هذه الرؤية النقدية ليس فقط ما تقوله، بل كيف تقوله؛ فهي لا تتعامل مع الفيلم بوصفه منتجًا ترفيهيًا عابرًا، بل بوصفه نصًا بصريًا قابلًا للفك والتحليل، تتداخل فيه اللغة السينمائية مع الدلالة الثقافية والاجتماعية. ومن هنا، فإن النقد عندها لا يقف عند حدود الانطباع، بل يتحول إلى قراءة بنيوية واعية تكشف مناطق القوة والارتباك داخل العمل.
تتجلى قوة الطرح في جرأته الهادئة؛ إذ لا ينزلق إلى التهكم أو التقليل من الجهد الإنتاجي، بل يحافظ على مسافة نقدية متوازنة تسمح له بالإشادة الضمنية بما تحقق تقنيًا، وفي الوقت نفسه مساءلة جوهر التجربة: هل يكفي أن يكون الفيلم مبهرًا بصريًا ليكون مؤثرًا فنيًا؟ هذا السؤال، الذي تضعه القراءة في قلب النقاش، هو في جوهره سؤال السينما ذاتها في عصر الصورة السريعة.
وتبرز إحدى أهم نقاط التميز في هذه الرؤية في قدرتها على تشخيص الخلل البنيوي في العلاقة بين الحكاية والصورة. فبدل الاكتفاء بوصف كثافة مشاهد الأكشن أو سرعة الإيقاع، تنتقل د. عبير العربي إلى مستوى أعمق من التحليل، حيث تكشف أن المشكلة ليست في وجود الحركة، بل في غياب “الضرورة الدرامية” التي تبررها. هذا التمييز الدقيق بين الحركة بوصفها عنصرًا بصريًا، والحركة بوصفها جزءًا من تطور الشخصية والحكاية، يعكس وعيًا نقديًا رفيعًا بطبيعة الفن السينمائي.
كما أن تناولها للشخصيات – وخاصة النسائية منها – يعكس حسًا تحليليًا يلتقط ما هو أبعد من الحضور الشكلي على الشاشة. فهي تشير إلى الإشكال لا من زاوية عددية أو سطحية، بل من زاوية التأثير الدرامي والوظيفة السردية، وهو ما يضع اليد على أحد أكثر أوجه الضعف شيوعًا في بعض الأعمال التجارية: وجود الشخصيات دون امتداد حقيقي داخل نسيج الحكاية.
ولا يمكن إغفال أن هذه القراءة تمتاز أيضًا بقدرتها على ربط الجزئي بالكلي؛ فهي لا تتعامل مع العناصر منفصلة، بل تنظر إلى الفيلم كمنظومة متكاملة، حيث يؤثر الإيقاع في بناء الشخصية، وتؤثر الشخصية في صدقية الحكاية، وتؤثر الحكاية في قدرة العمل على البقاء في الذاكرة الجمعية. هذا النوع من الترابط التحليلي هو ما يميز النقد الاحترافي عن الانطباع العابر.
إن الأهم في هذه الرؤية النقدية أنها لا تنطلق من موقع الرفض، بل من موقع “المساءلة الفنية”. فهي لا تنكر قيمة الجهد المبذول أو حجم الإنتاج، لكنها تعيد تعريف معيار النجاح: النجاح ليس في إثارة الضجيج حول الفيلم، بل في قدرة الفيلم على خلق أثر مستمر بعد انتهاء العرض. وهنا تكمن قوة الطرح وعمقه، إذ ينقل النقاش من مستوى “ماذا رأينا؟” إلى مستوى “ماذا بقي فينا بعد ما رأينا؟”.
وفي سياق أوسع، يمكن القول إن قراءة د. عبير العربي تمثل نموذجًا لما يمكن تسميته بالنقد التوجيهي الواعي، الذي لا يكتفي بتقييم العمل، بل يساهم في رفع سقف التوقعات الجمالية لدى المتلقي، ويعيد طرح الأسئلة الأساسية حول معنى السينما ودورها في زمن تتكاثر فيه المؤثرات وتتناقص فيه الحكايات.
إن هذه الرؤية النقدية، بما تحمله من توازن وعمق واتساع في زاوية النظر، لا تكتفي بتفكيك فيلم بعينه، بل تلمّح إلى أزمة أوسع في صناعة الصورة المعاصرة: أزمة العلاقة بين التقنية والإنسان، بين المشهد والمعنى، بين ما يُرى وما يُحس.
ومن هنا، فإن أهمية هذا النوع من النقد لا تكمن فقط في ما يقوله عن فيلم Seven Dogs، بل في كونه يفتح نافذة أوسع للتفكير في مستقبل السينما ذاتها، وفي ضرورة إعادة الاعتبار للحكاية بوصفها القلب النابض لأي عمل فني، مهما بلغت قوة عناصره البصرية أو الإنتاجية.
وبهذا المعنى، يمكن اعتبار هذه القراءة إضافة نوعية للمشهد النقدي، لأنها لا تكتفي بأن تكون تعليقًا على عمل سينمائي، بل تتحول إلى ممارسة فكرية تستعيد للسينما سؤالها الأول: كيف نحكي الإنسان داخل الصورة، لا كيف نُبهر العين فقط؟
