عروبة الإخباري – كتب : اشرف محمد حسن
أثناء وجوده في المطار بانتظار توقف الطائرة الرئاسية الأمريكية، التقط جون مايكل راش، مراسل البيت الأبيض في صحيفة “ديلي ميل” (Daily Mail) البريطانية، كان في انتظار هبوط طائرة الرئيس الأمريكي بعدسة هاتفه مقطعا مصورا لجندي صيني يقف في وضع الاستعداد الكامل بينما تمر الطائرة من خلفه، وعلّق على الفيديو قائلا: “هذا الرجل لم يرمش حتى والطائرة تصدر هديرا عاليا” لدى وصولها إلى العاصمة الصينية بكين لقاء الرئيس الصيني شن جين بينغ .
هذا الجندي الصيني أذهل الفريق الأمريكي بأكمله! اتبع الأوامر، ووقف شامخا مستقيما، لم يحرك عضلة، ولم يرفع جفنا حتى. الطريقة التي وقف بها هناك كتمثال بينما تتدحرج تلك الطائرة الضخمة ببطء أمامه التباين كان مذهلا حقا” ولم تظهر على الجندي ولو وميضة واحدة من التردد، فقد حافظ على ثباته ولم يتحرك بوصة واحدة مع عويل محركات طائرة (إير فورس وان) على بعد أمتار قليلة منه” أمام هذا الوحش الحديدي وهو يقترب بكل قوته وصوته في مشهد يجسد قوة الأعصاب والانضباط التي تميز العسكريين في الصين، قد يفسر مثل هذا المشهد سبب احترام العالم لقوة الصين العسكرية، هذا الجندي صار بطلا شعبيا اليوم في بكين لأنه جسد صورة الشخصية الصينية”.
وما إن نشر راش الفيديو حتى انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل معه كثيرون، كما تحول إلى أيقونة رقمية بين الصينيين. وكتب بعض المعلقين أن “الجندي من حرس الشرف في جيش التحرير الشعبي، يقف دائما بفخر منتصبا، ولن يتراخى أبدا أو ينهار. هذه هي حضارة الصين في الأدب واللياقة” واصبح حديث الساعة في الصين وأوروبا وحتى الولايات المتحدة بوصفه جنديا شجاعا ثابتا، ورأى ناشطون أن قوة الأعصاب والانضباط جزء أساسي من هيبة العسكري، وأن المشهد يوضح مستوى الجاهزية والالتزام بالتعليمات لدى الجندي الصيني مهما كانت الظروف .
في المقابل، تداولت حسابات أمريكية حاولت التقليل من شأن هذه الحادثة فقالت أن الجندي الصيني كان بعيدا بما يكفي عن الطائرة، وأن الموقف كان في حدود الطبيعي، في محاولة للتقليل من دلالات المشهد التي راجت على منصات التواصل .
اشير هنا الى ان الغرب بشكل عام لا يفهمون عقلية المقاتلين الشرقيين واغلبهم لديهم عقائد ومدى شجاعتهم وثباتهم ولم يتعلمون من الماضي خاصة خلال الحرب العالمية الثانية من طياري الكاميكاز الانتحاريين وهم طيارون يابانيون انتحاريون، شكلوا وحدات هجوم خاصة توكوتاي خلال الحرب العالمية الثانية (أكتوبر 1944-1945)، حيث تعمدوا تحطيم طائراتهم المحملة بالمتفجرات في سفن الحلفاء لصد الغزو، في عملية عسكرية حملت شعار “الرياح الإلهية”، والمصطلح مستوحى من أساطير يابانية أنقذت البلاد، وتميزت هجماتهم بالرعب واليأس لقلب موازين الحرب وقد استطاعوا تحقيق ذلك لولا استخدام الولايات المتحدة للقنابل الذرية والتي لم تكن معروفة آنذاك، ولا من خلال المواجهات القتالية المباشرة حتى بعد ان طردوا سواء من فيتام او من أفغانستان واذكر هنا بقصة الضابط الياباني هيرو أونودا الذي بقي صامداً لتسعة وعشرين سنة في غابة بجزيرة لوبانغ الفلبينية الواقعة في خليج مانيلا وبقي في انتظار الأوامر، الحرب انتهت عام 1945م عقب ذلك وصلت القوات الأمريكية إلى الجزيرة في 28 فبراير/شباط عام 1945، قُتل كثير من العسكريين اليابانيين وفرَّ آخرون، فيما بقي هذا الضابط الياباني مع ثلاثة من رفاقه المدربين جيداً على حرب العصابات، وكان ولاؤهم التقليدي للإمبراطور يصل إلى حد الخيال فبقي الاربعة جنود صامدين على جزيرة وحدهم احدهم اسرته القوات الفلبينية عام 1950م واعادته الى اليابان في حين قُتل آخر في اشتباك مع رجال أمن فلبينيين في عام 1954، وقُتل اخر في تبادل مماثل لإطلاق النار في عام 1972، لكن الضابط العنيد لم يتزحزح عن مكانه لعامين آخرين في عام 1974 وصل إليه طالب يُدعى نوريو سوزوكي كان يبحث عنه واقنعه بان الحرب انتهت، إلا أن الملازم أونودا رفض العودة إلى بلاده، مُصِرّاً على أنه ينتظر الأوامر! ولم يلقي سلاحه الى ان أرسلت إليه الحكومة اليابانية وفداً ضم شقيقه وقائده السابق المتقاعد الذي كان أمره بأن يستميت ويواصل القتال واعطاه الامر بالقاء السلاح .
في الواقع ان الجندية لدى الغرب مجرد عمل او خدمة اجبارية دون تماماً او لتحقيق مكاسب كمقاتلي الكيان الصهيوني واغلبهم ممن يطلق عليهم الجنود المنفردة “مرتزقة” يتم التعاقد معهم ودون عقيدة فالعقيدة بالنسبة لهم هي المصالح المادية وفق مغريات مالية والمعروف ان الولايات المتحدة لا تقدم على حرب الا اذا كانت خاطفة وفق عمليات محددة وسريعة تعتمد على ما يقدم لها من تسهيلات من خلال عملاءها فجنودها ليس لديهم الروح القتالية اذا شعر ولو للحظة انهم قد يخسروا على العكس تماما من الجندي او المقاتل الذي العقائدي او الذي يدافع عن مبادئ او قيم لديه الدافع للقتال حتى النهاية مهما كانت النتائج فهم ليسوا الا مجرمين جاءتهم رخص للقتل وتحقيق اموالاً لذلك ليس بالسهولة ان تجد لديهم ايمان بما يقومون به كما هذا الجندي الصيني في ظاهرة الانضباط والشجاعة في مثل هذا المشهد
