عروبة الإخباري كتبت هالة نهرا –
في كتابه “كما رأيت” الصادر عن “دار النخبة للنشر والتوزيع”، تتوالى وتتواشج ومضات الإعلامي والأديب السعودي عبدالله الحسني في أفقٍ ثقافيٍّ وبحثيٍّ ومعرفيّ مُحْكَم الإنجاز والحَبْك ومكتظّ بتَنَزُّل وفيوض الذات وتَمظهُراتها المتعدّدة في سبْر واستبطان مشهديّات الواقع والوطن والرؤى والتطلّعات. في هذا الأفق يتلألأ عقلُهُ الذي يرى مُثبِتاً فطنته، يتخطّى العاديّ والمعهود والنموذجيّ إلى ما يتبدّى ملحوظ الاعتبار أبعد وأعمق.
يأتي كما “رأيت” بعد كتابه “الاختلاف أفسد للودّ قضية” الذي شكّل حالةً وازنة التأثير -لا في الوسط الثقافي والأدبي السعودي فحسب، بل أيضاً في الأوساط الثقافية العربية- تحثّ على التفكُّر وقمينة بالإشادة والتنويه.
مَن يعرف ويتابع عبدالله الحسني في مقالاته ونصوصه وشذراته ومداخلاته وندواته ومحاضرته، لا بدّ من أن يلمح بريقاً من تَنوُّره الثقافي واستنارته المعرفيّة وقدرته على الجذب والاستقطاب في التفاعل.
“كما رأيت” غير منفصل عن مساره وجزءٌ من رحلته الممتدّة الزاخرة وفيه يبدو الحسني بصيراً.
يتمشّى القارئُ منشرحاً في محطّات كتاب عبدالله فيلتفت إلى “الوطن يثقّف الجميع” و”أنسنة الثقافة”، ويتأمّل ذِكره رؤية 2030 للثقافة بوصفها نمط حياة من شأنه أن يساهم في جودة الحياة، مروراً بالمجتمع حين يتعطّل فكره ويعيش وعياً زائفاً وثقافةً مغتربة… وصولاً إلى حديثه عن حقيقةٍ قاسية حينما تتشكّل لدينا ظاهرة الكاتب النوعيّ الواعي الناقم على كلّ شيء، وسواها الكثير من الطروحات والمواضيع البارزة والهامّة.
يتلفّع نتاج عبدالله الحسني بمروحةٍ من القيَم الدلالية ويتزيّا بالثراء الدلاليّ، ويوائمُ بنسبةٍ عالية بين الواقعية والكلاسيكية نوعاً ما بلغته وتشكيله المؤسلَبَيْن، وببلاغةٍ يبقى الأمل معقوداً عليها في زمن اعتلال المبنى والمعنى عموماً، وتشفّ أيضاً عن روحٍ أنيقة وذهنٍ نظيفٍ منظَّم يُفلسِف الرؤية بتبسيطٍ شديدٍ لمّاح خادمٍ للنقاش الثقافي ومُشبعٍ جزئيّاً ونسبيّاً لمعالجات عددٍ من الإشكاليّات الثقافية بلا أدنى ادّعاءٍ أو استعراضٍ أو تفاخُرٍ بالمَظاهر، ما يُحسَب له.
يمكن القول إنّ الحسني يتسلّح بخطابه الإبداعيّ الخصيب في كتابه وخارجه أيضاً، ويتجلببُ بالضمير الثقافيّ السعودي ذي الهوى والهويّة العربيَّيْن، المنفتح على ثقافات وحضارات العالم في تفاعلٍ بنّاء.
ورغم نخبويّته الجليّة، إلا أنّ الحسني -حضوراً وأثراً خلّاقاً- بعيدٌ كلّ البُعد عن فكرة المكوث في أبراجٍ عاجيّة من أجل التنظير بفوقيةٍ، لا سيّما أنه المعروف بدماثة خُلُقه وتواضعه وبساطته ورحابته، ما أكسبه شعبيةً كبيرة في أوساط المثقّفين السعوديين والعرب.
*هالة نهرا: كاتبة وناقدة وشاعرة.
