عروبة الإخباري طلال السُكّر –
لا ينتمي نصّ الدكتورة فلك مصطفى الرافعي إلى ذلك النوع من الكتابات التي تُقرأ على مهلٍ عابر، أو تُستهلك ضمن روتين القراءة اليومية؛ بل هو نصّ يفرض حضوره منذ اللحظة الأولى، ويُعيد تشكيل علاقة القارئ بالكلمة ذاتها. نحن هنا أمام كتابة لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تسعى إلى إعادة ضبط الوعي، وتضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة كبرى لا تقبل التأجيل.
تبدأ الكاتبة من نقطة مفصلية في التاريخ العربي، مستحضرة تداعيات حرب يونيو 1967، لا بوصفها حدثًا عسكريًا فحسب، بل كزلزالٍ نفسي وسياسي ما تزال ارتداداته ممتدة حتى اللحظة. هذا الاستدعاء لا يأتي على شكل استرجاع تقليدي، بل يُوظَّف لإعادة طرح سؤال القيادة والمسؤولية، خاصة حين تُستحضر شخصية جمال عبد الناصر بوصفه نموذجًا لتحمّل تبعات القرار أمام الشعب. هنا يتحول التاريخ إلى مرآة نقدية للحاضر، لا مجرد سردٍ للماضي.
وتتعمق الكاتبة في هذا الربط الزمني عبر الإشارة إلى مؤتمر الخرطوم 1967، بما يحمله من دلالات رمزية، خصوصًا “اللاءات الثلاث” التي شكّلت في حينها تعبيرًا عن موقف عربي موحّد. غير أن المقال لا يقف عند حدود التمجيد، بل يقارن بين تلك اللحظة وواقع عربي متشظٍ، تتنازعه الانقسامات وتُعاد فيه إنتاج الأزمات بأدوات أكثر تعقيدًا.
تكمن قوة المقال في قدرته على كشف ما يمكن وصفه بـ”النمط المتكرر” في التاريخ العربي: صراعات تُغذّى، وانقسامات تُعمّق، ووعي يُستهدف بشكل ممنهج. غير أن الكاتبة لا تكتفي بالتوصيف، بل تذهب إلى جذور أحد أخطر هذه التحديات: الطائفية. وفي هذا السياق، تستدعي إرثًا فكريًا يتمثل في كتاب والدها “إسلامنا في التوفيق بين المذاهب الإسلامية”، لتؤكد أن التحذير من هذا الخطر ليس وليد اللحظة، بل هو وعي مبكر بخطورة الانقسام الداخلي بوصفه مدخلًا للضعف.
اللغة التي تعتمدها الكاتبة تُشكّل أحد أبرز عناصر التأثير في النص؛ فهي لغة مشحونة بالعاطفة والرمزية، لكنها في الوقت ذاته منضبطة بإيقاع فكري واضح. عبارات مثل “غزة درّة التاج” أو “الرئة العربية لا تحمل مفسدات” لا تُستخدم للزينة البلاغية، بل تحمل دلالات عميقة تعبّر عن إيمان بجوهرٍ حيّ للأمة، رغم كل ما يعتريه من أزمات.
وفي انتقالها إلى الحاضر، تُظهر الكاتبة وعيًا سياسيًا حادًا، خاصة في تناولها لمحاولات إشعال الفتنة في أكثر من ساحة عربية، ومنها لبنان. هنا يتخذ النص بُعدًا تحذيريًا مباشرًا، ويتحوّل من قراءة تاريخية إلى موقف معاصر، يُحذّر من إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وخطورة.
تأتي الخاتمة لتكثّف هذا المسار الفكري بعبارة حاسمة: “الفتنة نائمة… لعن الله من أيقظها”. وهي ليست مجرد اقتباس بل تمثل خلاصة أخلاقية وتاريخية للمقال، تختزل دعوته إلى الوعي، وتحذيره من الانزلاق في دوائر الانقسام.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع هذا النص بوصفه مقالًا عابرًا؛ بل هو محاولة جادة لإعادة ترتيب البوصلة الفكرية، ودعوة صريحة لتحمّل مسؤولية الوعي. إنه يضع القارئ أمام خيار واضح: أن يكون شريكًا في إدراك ما يجري، أو أن يظلّ متلقيًا سلبيًا في مشهد تتكرر فيه الأخطاء نفسها.
بهذا المعنى، فإن كتابة الدكتورة فلك مصطفى الرافعي لا تكتفي بالتأثير، بل تسعى إلى إحداث أثرٍ مستمر—وهو ما يمنح نصّها قيمته الحقيقية كخطاب يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
