عروبة الإخباري –
في زمنٍ تبهت فيه الرموز وتُستهلك فيه الصور حتى تفقد دهشتها، تأتي إطلالة الإعلامية والمخرجة العالمية، زلفا جورج عساف، كوميضٍ نادر… كقصيدةٍ تُكتب بالضوء لا بالكلمات. ليست مجرد صورة عابرة على منصات التواصل، بل لحظة مُشبعة بالمعنى، مشهدٌ يكاد يُختصر فيه وطنٌ كامل، بكل تناقضاته وجماله، بكل جراحه وأحلامه.
هناك، في قلب فندق موفنبيك بيروت، حيث يتدلى الهلال كقطعةٍ من سماءٍ شرقيةٍ حالمة، لم تكن زلفا جالسة على ديكور… بل كانت جالسة في قلب فكرة. فكرة لبنان حين يكون على حقيقته: مساحة لقاء، لا ساحة انقسام. كانت الصورة أشبه بلوحةٍ مُتقنة، تتعانق فيها الألوان كما تتعانق الطوائف حين تتذكر إنسانيتها.
الهلال في تلك الليلة لم يكن مجرد رمزٍ رمضاني، بل كان قوسًا من نورٍ يحتضن الجميع، يتحول من علامة دينية إلى لغةٍ جمالية مشتركة. وفي حضرته، بدت زلفا كأنها تُعيد تعريف الانتماء: ليس بما نولد عليه، بل بما نحتضنه من قيم. حضورها لم يكن مجاملةً، بل موقفًا راقيًا، ناعمًا كضوء المكان، عميقًا كجذور هذه الأرض.
أما أناقتها… فليست تفصيلًا. ذلك الأسود المطرّز بالذهب لم يكن مجرد اختيار، بل بيان بصري: حداثة تعرف جذورها، وأناقة لا تنفصل عن روح الشرق. كانت وكأنها تقول دون أن تنطق: يمكن للإنسان أن يكون ذاته بالكامل، دون أن يُغلق بابه أمام الآخر. بل على العكس… كلما اتسع، ازداد اكتمالًا.
ابتسامتها؟ ليست ابتسامة صورة، بل هي طمأنينة وثقة وانسجام نادر في زمنٍ متوتر. لا أثر فيها لتكلّف أو حذر، بل حضور صادق، كأنها تعرف أن ما تفعله ليس استثناءً… بل هو الطبيعي الذي يجب أن يكون.
وهنا تتجلى الأسطورة الحقيقية: زلفا لا “تمثل” التعايش… بل تعيشه. لا “تتحدث” عن الحوار بين الأديان… بل تُجسده بلقطة واحدة. تمامًا كما في أفلامها، حيث لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تمنحها روحًا، وتعيد خلقها كجسرٍ بين البشر.
هذه الصورة ليست مجرد احتفال برمضان… بل احتفال بلبنان حين يكون ممكنًا. حين تتحول بيروت من مدينةٍ مثقلة بالتناقضات إلى قصيدة تعايش، تُكتب كل ليلة بأشخاصٍ يشبهون زلفا.
في النهاية، لا نرى امرأةً أنيقة في أمسية فاخرة…
نرى فكرة تمشي على الأرض.
نرى فنًا يتنفس.
نرى رسالة تقول، بكل هدوءٍ وقوة:
هكذا يكون الجمال… حين يقترن بالإنسان.
