عروبة الإخباري –
في رحيل الرجال العظماء، لا يغادرنا الجسد وحده، بل تظل أرواحهم، قيمهم، وأثرهم حيًا فينا وفي من عرفهم.
اليوم أستذكر ابن عمي الغالي، سمير عبد الكريم السكر، رجل النخوة والوفاء، الذي جمع في شخصيته أرقى الصفات الإنسانية، وصنع لنفسه مكانة في القلب لا تذوب مع مرور الأيام.
فسمير، أبو عامر، وعلاء، وعمر، ونور ودينا، هو لم يكن مجرد قريب أو صديق، بل كان سندًا وأمانًا، رمزًا للكرم والإخلاص، ومثالًا حيًا على أن العطاء الحقيقي لا يُقاس بالمال أو المناصب، بل بما يقدمه الإنسان للآخرين من حب، دعم، ونخوة صادقة. ففي حياته، علمنا أن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل فعل يُمارس، وأن الذكرى الطيبة تبقى حيّة عبر الأجيال من خلال الأثر الذي نتركه في قلوب من حولنا.
ما زلت حتى اليوم، أذكر بوضوح، وكأنه أمس، ذلك اليوم الذي أحضر لي فيه هدية بمناسبة نجاحي: لعبة طائرة صغيرة تعمل بالبطاريات.
لم يكن مجرد هدية، بل كانت رسالة عميقة من شخص يعيش الوفاء، رجل يحتفل لإنجازات أحبائه كما لو كانت إنجازاته الخاصة. كان حينها قائد حرس السفارة الأردنية في بريطانيا، ومع كل انشغالات منصبه، لم ينسَ فرحة ابن عمي، ولم يكتفِ بكلمات التهنئة، بل عبّر عن اهتمامه ومحبته بفعله وعطائه.
وخلال خدمتي العسكرية، ظل سمير، حاضرًا في حياتي، يهتم بأموري، ويقف بجانبي في كل خطوة، يوجهني وينصحني ويشد من أزري. لم يكن ذلك مجرد واجب، بل كان تعبيرًا عن قلبٍ كبير وروحٍ وفية، يعرف معنى الوفاء الحقيقي، وعندما أنهيت خدمتي العسكرية، لم يتركني أواجه تحديات الحياة وحدي، بل ساعدني في الحصول على عمل، محافظة على وعده ووفائه، مثبتًا أن الروابط العائلية والإنسانية ليست مجرد كلمات، بل أفعال حقيقية تُترجم بالإخلاص والدعم المستمر.
لقد كان بحق، وصدق، صاحب فزعة لكل من قصده، يمد يده لكل محتاج دون تردد، يقدم كل ما في وسعه لمساعدة الآخرين، سواء كانوا من أهله، أصدقائه، أو أي شخص يحتاج إلى العون، وكانت روحه مليئة بالنخوة، ويده مفتوحة دائمًا بالعطاء، وعقله حاضرًا للحكمة والنصيحة، وابتسامته تنير كل من حوله.
لقد جمع بين القوة واللطف، بين الصرامة والحب، بين المسؤولية والرحمة، فجعل من حياته مثالًا حيًا لما يجب أن يكون عليه الإنسان الحقيقي: صادقًا في شعوره، وفي كلامه، وفي أفعاله، كريمًا في عطاءه، شجاعًا في مواقفه، ووفياً لكل من عرفه.
حتى اليوم، بعد أن تخطيت من العمر، أكثر من خمسين سنة، ما زلت اسرد على اولادي عن مآثره التي تظل ذكرياته في قلبي نابضة بالحياة، تذكرني بمعنى الوفاء، وبأن الإنسان العظيم هو من يجعل حياة الآخرين أفضل بوجوده، ويترك أثرًا لا يزول مهما مرت السنوات. لقد علّمني سمير عبد الكريم السكر معنى الأخوة الحقيقية، معنى أن يكون الإنسان سندًا لمن حوله، وأن يكون الوفاء شعورًا وعملًا معًا، وأن النخوة ليست مجرد كلمة، بل حياة كاملة تُعاش بكل تفاصيلها، وحتى بعد أن تجاوزت عمري الخمسين، ما زلت أستشعر أثره ودعمه، وأتذكره بكل حب وامتنان.
واليوم، عندما أرى أولاده وبناته، أجد أنهم قد اكتسبوا الكثير من صفاته النبيلة: الوفاء، الكرم، النخوة، حب الناس ومساعدتهم، والقدرة على أن يكون الشخص سندًا وداعمًا لكل من حوله.
أرى فيهم امتدادًا حيًا لروحه وذكراه، وهذا وحده يجعل رحيله أقل ألمًا، ويعطي درسًا لنا جميعًا أن إرث الإنسان الحقيقي ليس المال أو المنصب، بل الصفات والقيم التي يزرعها في من حوله، والتي تستمر بعد رحيله في الأجيال القادمة.
أدعو الله أن يرحمه رحمة واسعة، ويجعل مثواه الجنة، وأن يظل ذكراه نورًا يضيء لنا الطريق، ويستمر أثره بين كل من عرفه أو سمع عنه. فقد فقدنا إنسانًا عظيمًا، ولكن إرثه من الحب والوفاء والعطاء سيظل خالدًا في قلوبنا وعقولنا إلى الأبد.
