عروبة الإخباري –
القدس العربي – موسى إبراهيم أبو رياش –
في روايته «حكي القرايا»، يُقدّم الروائي الأردني رمضان الرواشدة عملا سرديا يمتزج فيه الحنين بالوعي، والحكاية الشعبية بالتأمل الإنساني. تقوم على استحضار الذاكرة الجمعية للجنوب الأردني، وتسجّل فصولا من التاريخ غير الرسمي، ذلك الذي ظلّ محفوظا في صدور الأمهات والجدّات والمرويات الشعبية، والذاكرة الشفوية للقبائل (حكي القرايا)، ويمرّ عبر الحكايات والأهازيج والطقوس اليومية، التي شكّلت وجدان الناس في مرحلة تاريخية مهمة من حياة أهالي الشوبك خاصة، وجنوب الأردن عامة في مواجهة الظلم والخارجين على القانون، والاعتداءات الخارجية أواخر العهد العثماني. وتقدم لوحة إنسانية مليئة بالتضحيات والشجاعة والتكاتف القبلي ورفض الظلم والضيم، وتكشف عن دور محوري للمرأة في الحفاظ على الشرف والكرامة وصناعة القرار.
تناولت الرواية أحداثا مفصلية بدءا من عام 1834 إلى دخول قوات الثورة العربية الكبرى مدينة معان عام 1918، ومن أهم هذه الأحداث: تشكل «حلف القرايا» لمواجهة جماعة (المناعسة) الخارجة على القانون، وانتصارهم عليها بقيادة عزالدين أبو حمرا وسطام الكركي. تصدي قلعة الشوبك لحملة إبراهيم باشا ونجاحهم بالحيلة، صراع أهالي الشوبك مع قطّاع الطرق مثل (الدعجان) و(عيال العلان)، وانتصارهم وتشتيت شملهم. سقوط قلعة الشوبك بيد الأتراك بعد حصار وقصف عنيف. مشاركة أهالي الشوبك والجنوب في الثورة العربية الكبرى، ما مهد الطريق أمام قيام دولة حديثة وضعت حدا للفوضى وانعدام الأمن. ويلاحظ أنّ الصراعات الدامية كانت انتصارا للعرض والشرف، أو ثأرا لمقتل زعيم قبلي، أو استردادا لحق اغتصب، أو رفضا للظلم والاستعباد، تأكيدا على أنّ العربي كان لا يقبل بضيم أو ما يمس شرفه وعرضه وكرامته.
دور المرأة المفصلي في الرواية
برز دور المرأة في الرواية، وتجلى كشخصية قيادية ذات موقف مشرف حاسم؛ فعلياء الضمور أبت كزوجها إبراهيم الضمور تسليم القائد الفلسطيني الثائر قاسم الأحمد، على الرغم من تهديد إبراهيم باشا بحرق ولديها، وضربت مثلا في التضحية والشجاعة لحماية الدخيل، وانتصارا للثورة والعدالة، ورفضا للظلم والجور. وكانت فاطمة السالم شريكة لزوجها منصور الأعمى في القرار، وأخذ برأيها في اسم مسكنه الجديد (الجاية)، وكانت سندا ودعما وراحة وسكينة لزوجها، ولما قُتل غيلة، ندبته، واستثارت حمية الرجال للأخذ بثأره.
كما أنّ نساء الشوبك، وقفن ضد اعتداءات الجنود الأتراك ومحاولة المس بهن، ما أشعل مواجهة مباشرة مع السلطة العثمانية، دفاعا عن العرض والكرامة. وفي مواقف الخطر مع قطاع الطرق، مثل حادثة شيحة بنت محمد بن راشد، كانت النساء سببا مباشرا لتحرك القبائل للثأر واستعادة الأمن. وتبرز هذه المواقف أنّ المرأة في الجنوب الأردني لم تكن عنصرا ثانويا، بل شريكا فاعلا في صناعة الأحداث وحفظ الشرف والوطن. كما أشارت الرواية إلى أنَّ المرأة كانت شريكة للرجل في الحياة اليومية مثل الزراعة والحصاد والرعي، يدا بيد، بالإضافة إلى أعمالها في رعاية البيت والأولاد وجلب الماء، وغيرها من الأعمال التي جُبلت عليها المرأة في الأرياف، تأكيدا لدورها المحوري الأساسي في المجتمع ووقفوها مع الرجل في السراء والضراء.
قطاع الطرق والجماعات الخارجة على القانون
تصوّر الرواية جانبا من الفلتان الأمني وانتشار قطاع الطرق والجماعات الخارجة على القانون مثل (المناعسة والدعجان وعيال العلان)، الذين شكلوا خطرا على حياة الأهالي في فترات مختلفة، ومارسوا الغزو والنهب والقتل ومهاجمة قوافل الحج، في غياب السلطة المركزية التي اشترت أحيانا هذه الجماعات بالمال، لتتوقف عن مهاجمة قوافل الحج، بعد أن عجزت عن القضاء عليها. ويلاحظ أنّ هذه الجماعات كانت منبوذة عند قبائل الجنوب لسوء أفعالها، وعدم تورعها عن خطف النساء والأطفال، وهتك الأعراض، ونهب الأرزاق، ولم تتردد هذه القبائل بالتحالف والتوحد في مواجهة هذه العصابات وقتالها، وكف شرها. ومما يجدر ذكره أنَّ هذه الجماعات لم تكن من أهل المنطقة في الغالب، بل جاءت من العراق وشمال الجزيرة العربية، وبعض المنفلتين عن قبائلهم، ويبدو أنّ الظروف الاقتصادية الطاحنة وشيوع الفقر أدى إلى تشكل هذه العصابات، وساهم في ذلك ترهل الدولة العثمانية، وظلم حكامها الإداريين، وعدم قدرتها على بسط سطوتها على الأطراف. ولا شك أنّ وجود جماعات، في أي زمان ومكان، خارجة على القانون أو فوق القانون، يعمل على زعزعة الأمن وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وشيوع الفساد والظلم، ويضعف ثقة المواطن بالسلطة، ويؤدي بالضرورة إلى تفكك مجتمعي، وخلخلة في مفاهيم المواطنة والانتماء والهوية.
حفظ التراث وتناقل الأجيال له
تُعيد الرواية إحياء التراث الشعبي بطريقة إبداعية، عبر دمجه في نسيج الحكاية اليومية؛ فهي لا تحتفي بالتراث من باب التمجيد المتحفي، بل من زاوية العيش فيه واستعادته كجزء من الهوية المعاصرة؛ لأنّ التراث يُحفظ بالحكي، ويُورَّث بالحبّ، ويُفهم بالتأمل. وتتناقل الشعوب تراثها بالكلمات والرموز والمعاني، في فعل إنساني نبيل يُشبه تسليم الشعلة من جيل إلى جيل. وتُركّز الرواية على أهمية الحكي (حكي القرايا) كفعل مقاومة للنسيان، وكوسيلة لحفظ الهوية الثقافية في وجه التغريب والتعليب. والرواية بهذا المعنى، وثيقة شعورية تنقل نبض الناس العاديين، الذين صنعوا تاريخهم في الظل، بعيدا عن الأرشيف الرسمي. وهي تُذكّرنا أنّ الذاكرة لا تُحفظ في الكتب والأرشيف والسجلات، بل في الحكايات المتوارثة، وفي أصوات النساء وحنين الجدّات، وفي رائحة الخبز، ووقع الخُطى على الطرقات المنسية.
تُقارن الرواية ضمنيا بين ماضٍ ريفي متماسك القيم والوجدان، وحاضرٍ تغلب عليه الفردية وتفكك العلاقات. هذه المقارنة لا تحمل طابع الإدانة المباشرة، لكنها تطرح تساؤلات وجودية حول ما خسرته المجتمعات الحديثة أمام ما كانت تمتلكه من تماسك روحي واجتماعي في الماضي.
حكي القرايا وحكي السرايا
يحمل عنوان «حكي القرايا» دلالة رمزية عميقة تتجاوز حدود التسمية إلى مستوى الصراع بين صوت الناس وصوت السلطة. إذ أنّ «حكي القرايا» يمثل المرويات الشعبية التي تتناقلها الأجيال بالفخر والاعتزاز، تنبع من الضمير الجمعي للأهالي، وتعكس معاناتهم ونبضهم اليومي بلا تزييف أو رقابة، حتى إن جنحت في بعض الأحيان للمبالغة، أو الإضافة الخيالية. في المقابل، يرمز «حكي السرايا» إلى السردية الرسمية المحكومة بحسابات سياسية ومصالح آنية، وغالبا ما تنتصر للمتنفذين وتُقصي أصوات البسطاء والمهمشين. ولهذا، يجد المواطن بطبعه نفسه أقرب إلى الرواية الشعبية التي تنصفه وتدافع عن قضاياه والنابضة بمشاعره، بينما ينظر إلى السردية الرسمية بعين الشك والريبة حتى إن حملت شيئا من الحقيقة. وبذلك، تتجلى الرواية الشعبية كذاكرة حية للمجتمع، تحافظ على القيم والبطولات والآلام الجمعية، في حين تبقى الرواية الرسمية رهينة ميزان القوى ومبررات السلطة.
والرواية عندما اختارت «حكي القرايا» عنوانا لها وغيبت «حكي السرايا» فإنها تنتصر للقرى وأهلها البسطاء، وأنّ مروياتهم هي الأقرب إلى الحقيقة والأجدر بالثقة والتصديق، أما الرواية الرسمية فهي محل شك وريبة، خاصة أنّ الرواية الرسمية آنذاك لم تكن منصفة، وتعتمد على تقارير ومرويات عساكر وحكام إداريين، وهؤلاء لن ينقلوا إلا ما يتفق مع أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم.
وبعد؛ فإنّ «حكي القرايا» للأردني رمضان الرواشدة، الصادرة في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عام 2024، رواية جاءت كجسر يربط الماضي بالحاضر، تحفظ ذاكرة الجنوب الأردني، وتعيد للأذهان قصص الشجاعة والتضحيات التي صنعت هوية المنطقة؛ فالرواية تُوثّق مرويات شفهية وتنقلها للأجيال بروح الحكاية الشعبية الممزوجة بالبطولة والوفاء، وتُبرز القيم العشائرية مثل نصرة المظلوم وحرمة النساء والكرم، وتسلط الضوء على مقاومة الاستبداد والاحتلال الخارجي، وتعيد الاعتبار لدور المرأة والقبيلة في تشكيل التاريخ المحلي. والرواية بهذا المعنى، تُعد عملا توثيقيا يحافظ على الهوية الجماعية والذاكرة التاريخية لأهالي الشوبك والجنوب الأردني. وفي زمن التسارع والنسيان، تأتي هذه الرواية كنداءٍ حميم للعودة إلى الذات، وإلى الجذور. إلى أصل الحكاية، وإلى الإنسان الحقيقي القابع خلف الضجيج.
