عروبة الإخباري –
في بلدٍ يرزح تحت ثقل أزمات اقتصادية خانقة ونظام مصرفي مشلول، باتت الحقائب التي تحمل ملايين الدولارات والذهب إلى مطار رفيق الحريري الدولي عنوانًا صارخًا لفشل الرقابة، وتعبيرًا عن دولة تتآكل من الداخل بفعل المصالح المتشابكة، والتهرّب من سلطة القانون.
تهريب نقدي منظم: بين أفريقيا وبيروت
في أحدث حلقات التهريب، ضبط جهاز أمن المطار أكثر من 8.2 مليون دولار نقداً داخل ثلاث حقائب قادمة من كنشاسا وإسطنبول. التحقيقات كشفت أن الأموال نُقلت من قبل ثلاثة أشخاص لصالح رجال أعمال لبنانيين ينشطون في أفريقيا. ووفق اعترافاتهم الأولية، فإن هذه العملية لم تكن الأولى من نوعها، ما يشير إلى وجود شبكة متكاملة تمتهن نقل الأموال نقداً عبر المطار.
اللافت أن هؤلاء “الوسطاء” لا يتحركون في فراغ. فالقوانين الصارمة في العديد من الدول الأفريقية تمنع إخراج النقد من أراضيها، ما يدفع بعض رجال الأعمال إلى الالتفاف على النظام المالي العالمي، واللجوء إلى “طرق موازية” من التهريب اليدوي، والتي لا يمكن فصلها عن عوامل النفوذ والفساد المستشري.
“حزب الله” في مرمى الاتهامات
رغم عدم وجود دليل حاسم حتى الآن على ارتباط مباشر بين “حزب الله” والأموال المضبوطة، إلا أن العديد من المصادر الأمنية والمصرفية تربط هذه الشبكات بالنفوذ الذي كان يتمتع به الحزب داخل مطار بيروت. فالحزب، الذي لطالما اتُهم بتهريب الأموال والأسلحة، كان يستفيد مما نسبته 20% من الأموال التي ينقلها عبر شبكاته المنتشرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية، بحسب مصادر مطلعة.
وقد خفّ هذا النفوذ بعد فرض رقابة أميركية مشددة على المطار عقب قرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل في نوفمبر الماضي، وفرض قيود على الطيران الإيراني والعراقي، وهي خطوات أعادت ضبط الإيقاع الأمني للمطار ولو بشكل جزئي.
تسييس المال والذهب: بين إيران وسوريا
الساحة لا تقتصر على أفريقيا. ففي فبراير الماضي، صادرت السلطات 2.5 مليون دولار كانت تُنقل من إيران عبر تركيا، وادّعى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ملكيّتها، لكن القضاء اللبناني رفض إعادتها. وفي أبريل، أُحبطت محاولة تهريب 4 ملايين دولار من سوريا، من قبل رجال أعمال مقربين من النظام السوري.
وفي مايو، كشفت السلطات محاولة تهريب 28 كيلوغراماً من الذهب من قبل شخص سوري، فرّ لاحقًا إلى سوريا بعد أن أودعها في خزنة الأمانات في المطار. هذه الحادثة تؤكد استمرار التهريب رغم كل الإجراءات الرقابية.
الدولة الغائبة: أجهزة تلاحق… وأخرى تتواطأ؟
رغم تشديد التفتيشات وتفكيك بعض الشبكات، ما زالت الثغرات قائمة. فالأجهزة الأمنية والجمارك تبذل جهدًا واضحًا في الضبط، لكن قدرتها على المواجهة محدودة بفعل غياب القرار السياسي الموحد، والتداخل بين المصالح الحزبية والمالية، و”الغطاء السياسي” الذي يحظى به بعض الفاعلين.
الحديث عن تهريب الأموال لا ينفصل عن التهريب السياسي، ولا عن غسيل الأموال الذي يشكل أحد أبرز مداخل التمويل غير المشروع في لبنان والمنطقة.
المطار تحت المراقبة الدولية
أصبح مطار بيروت ساحة اختبار لجدية الدولة اللبنانية في محاربة التهريب، وإعادة الاعتبار لسلطة القانون. فالمجتمع الدولي يراقب، والضغط الأميركي واضح، ولا خيار أمام لبنان سوى كسر البنية الموازية التي تحكم المطار، والعودة إلى مؤسسات تحترم المعايير الدولية في الشفافية والمحاسبة.
لكن في غياب إصلاح سياسي وأمني عميق، تبقى عمليات الضبط مجرّد ردود فعل، لا استراتيجية مستدامة.
