عروبة الإخباري كتبت الإعلامية حليمة سعد الدين طبيعة –
هي رهبةٌ لم أعهدها، أصابتني ما إن انحنيتُ معزّيةً السيّدة فيروز… هالة الأمّ الحزينة أرعشت جسدي.
وجدتُني أُكمل سيري باتجاه أهل العزاء، وأنا لا أفهم: كيف لامرأة أقف أمامها للمرة الأولى، ولثوانٍ معدودة، دون أن أرى عينيها اللتين أخفت وجعهما نظارة داكنة، أن تُربكني بإيماءة من رأسها؟

جلستُ على بُعد أمتار أراقبها، أقف لأسترق النظر بين الحين والآخر، أتأمّل صبرها وأسأل نفسي: من أين لها كلّ هذه الصلابة؟
الجميع بكى وانتحب، أما هي فبقيت صامتة، تراقب. ربما لم تكن معنا.. كانت مع زياد.
مع ذكريات وجع طَلق الولادة، والسهر عليه طفلًا صغيرًا.
ربما راحت تُعاتب نفسها على سنوات البعد والجفاء عن عبقريّ بيتها ورفيق أيامها الصعبة، وقاضي الصلح بينها وبين عاصي.
وربما كانت تُعاتب ابنها، أو تُحاسب قلبها على كلّ هذا الوجع.
لا أحد يعلم بماذا كانت تفكّر فيروز، بينما كنّا نحن نسترق النظر إليها، جالسةً لساعات طوال تتقبّل العزاء بزياد… زياد الذي قالت عنه يومًا: “أهكذا كل ولد؟ أم لم يلد مثلي أحد؟”
من صالون الكنيسة، انتقلتُ بعد نحو ثلاث ساعات إلى الداخل، حيث يرقد زياد في نعشه.
اقتربتُ من كارمن لبّس، التي جلست في مقعد خلفي، تعيش حزنها على حبٍّ قديمٍ وأصيل، بأناقة.
ربّتُّ على كتفها وهمست: “بتبقى الذكريات الحلوة…”
أجابت: “أكيد، بتبقى الذكريات.”
قبل سنوات، ومع رحيل أبي، تصالحتُ مع الموت.
اقتربتُ من النعش… رهبة الاسم: زياد عاصي الرحباني محفورًا على لافتة حديديّة، وفكرة أن الحياة فانية، أربكتني من جديد.
جميعنا راحلون… بعضنا يترك أثرًا، وبعضنا لا.
وقفتُ “صافنة” باسمه… ولم أعرف ماذا أقول له.
أنا لا أعرفه شخصيًا، لكنه كان رفيق مراهقتي، بمسرحياته التي ما ضحكت كما ضحكت يوم استمعتُ إليها عبر راديو صغير زرعته في وسادتي.
ثم، هو ابن فيروز… وفيروز “مش غريبة… فيروز من أهل البيت”.
غادرتُ الكنيسة وأنا أسأل نفسي:
كيف نحبّ أشخاصًا لم نلتقِ بهم يومًا؟
كيف نصبح أوفياء لهم؟
ولماذا سمحنا لهم بأن يدخلوا تفاصيل حياتنا اليومية، بنغمة أو صوت أو مشهد، وأن يتسببوا بكلّ هذا الوجع حين يغادرون؟
