عروبة الإخباري –
في بلد أنهكه الانقسام السياسي، والشلل الاقتصادي، والانهيار المؤسسي، يطلّ السلاح المنفلت كأخطر الوجوه التي تهدد كيان الدولة وكرامة الإنسان، فلم يعد السلاح في لبنان وسيلة مقاومة أو دفاع، بل صار أداة قتل مجاني، تُستخدم في الخلافات العائلية، وتُطلق في المناسبات، وتحصد أرواح الأبرياء كل يوم.
مأساة تتكرر
من الجنوب إلى الشمال، ومن العاصمة إلى الأطراف، لا يكاد يمرّ أسبوع من دون سقوط ضحية برصاص طائش أو اشتباك مسلح. واللافت أن الجاني في معظم الحالات معروف، لكن الغطاء السياسي أو العشائري يمنع المحاسبة. في بلد تتآكل فيه سلطة القانون، يغدو العدل ترفًا، والأمان حلمًا.
“عيونو أحلى من عيوني بكتير”
في إحدى الجنازات التي هزّت الرأي العام مؤخرًا، ودّعت أم لبنانية ابنها الشاب الذي قُتل برصاصة طائشة، قائلة:
“هيدا تالت شاب بخسرو… عيونو أحلى من عيوني بكتير.”
ليست مجرد كلمات، بل صرخة موجعة تختصر مأساة وطن بأكمله. ثلاثة أبناء دفنتهم الأم بيديها، ولم تجد جوابًا على سؤال: لماذا؟ من المسؤول؟ وأين الدولة؟
حكايات من الواقع
في البقاع، شاب في الـ17 من عمره قُتل إثر إطلاق نار عشوائي خلال زفاف أحد الجيران. لم يكن مشاركًا، كان في طريقه إلى شراء الخبز.
في طرابلس، اشتباك على موقف سيارة تحول إلى معركة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة، والنتيجة: ثلاث ضحايا، أحدهم طفل عمره 10 سنوات.
في الجنوب، امرأة فقدت اثنين من أولادها في اشتباك مسلح بين فصيلين متنازعين، أحدهما ينتمي إليه أحد القتلى نفسه.
أسباب الجرح المفتوح
لا يمكن فصل ظاهرة السلاح المنفلت عن الواقع السياسي والأمني القائم:
ضعف الدولة، وغياب السيطرة الفعلية على الأراضي اللبنانية كافة.
ثقافة السلاح التي تغلغلت في بعض البيئات كرمز للفخر أو الحماية.
الولاءات فوق الوطنية التي تسمح بتسليح جماعات خارج المؤسسات الشرعية.
فقدان الثقة بالقضاء، ما يدفع كثيرين إلى أخذ “الحق” بأيديهم.
الضحية الصامتة: الأم
في كل بيت لبناني ثُكلى، هناك أم تُعاني بصمت.
أم ترتدي الأسود منذ سنوات، دون أن تجد من يردّ لها حق ابنها.
أم تُحرم من أبسط حقوقها في العدالة، وتُجبر على تقبّل المصير كأنه “قضاء وقدر”، لا جريمة مفجعة كان يمكن تفاديها.
نحو حل وطني
إن إنهاء فوضى السلاح يتطلب إرادة وطنية حقيقية تتجاوز الحسابات السياسية والطائفية:
إطلاق خطة أمنية شاملة، تُعيد فرض هيبة الدولة في كل المناطق.
تطبيق القوانين بحزم، وتجريم حيازة السلاح غير الشرعي.
دعم القضاء المستقل، ومنع التدخلات في عمله.
تفعيل التربية المدنية والتوعية الإعلامية لمحو ثقافة التطبيع مع العنف.
إعلاء صوت الضحايا، وخصوصًا الأمهات، في كل محفل ومناسبة.
ختاماً، في لبنان، أصبح الموت حدثًا يوميًا لا يُحرّك ساكنًا.
لكن موت الأحلام، وموت العدالة، وموت الثقة بالوطن… هو الأخطر.
وإذا كانت الأم اللبنانية قد اعتادت على الغياب، فإن صوتها اليوم يجب أن يعلو فوق أصوات البنادق.
فإما أن تُستعاد هيبة الدولة، أو يُكتب على كل أم أن تُصبح أم شهيد.
