في الأدب أحبّ ظلال الكلمات، وفي حفلات الإشهار وتواقيع الكتب أهتمّ كثيرًا بالالتقاطات الإنسانيّة في الوجوه وما يدور في أروقة هذه الحفلات، والتلقائيّة التي تحدث بها الفنان التشكيلي سعيد حدادين، وهو يروي ذهابه لدراسة الفن في الاتحاد السوفييتي، ورؤية أهله في «ماعين» للفن آنذاك، وانسراق هذا الفنان إلى التشكيل، بما يحمله التشكيل من فكر وقناعات ورؤى واستشراف،..هي تلقائيّة تشفّ عن نفس فنان وأديب، عرف مبكّرًا معنى أن يتنافذ الفن على الأدب والصحافة والعلوم الأخرى؛ ولذلك فلم يكن مغرمًا بقراءة أوراق كثيرة، بقدر ما كان?متدفقًا بفضفضات عذبة، في حفل إشهار كتاب حمل اسمه، وحشد شهادات حول تجربته الإبداعية والإنسانيّة، قدّمها عددٌ من الفنانين والأدباء والصحافيين والإعلاميين والأصدقاء وعائلة الفنان، فكانت مرآةً صادقة لمعرفتهم به وشهادتهم له.
الحفل، الذي رعاه الدوق ممدوح بشارات، الناشط الثقافي والفني ومقتني الأعمال الفنيّة وداعم الكتاب والأدباء والفنانين، كان يغصّ بجمهور عريض في دائرة المكتبة الوطنيّة، جاءوا من فرط محبّتهم للفنان حدادين الجريء في آرائه، البسيط في أحلامه، القريب من كلّ الناس، والعميق أيضًا في رسوماته واسكتشاته وما أبدعته ذراعه وعقله ووجدانه الكبير من «وجوه» حملت هموم الناس ومغالبتهم ظروف الحياة وطموحاتهم الإنسانيّة، على عموم هذه الوجوه الإنسانيّة في كلّ العالم، بتقنيات إبداعيّة ليس هنا مجال الحديث عن فنيّة إبداعها وتقنياته فيها،?.كما جاءوا معبّرين عن فرحتهم بابنته الفنانة التشكيليّة والشاعرة أيضًا غدير حدادين، عضو رابطة الكتاب الأردنيين، فكان الحضور يجمع ما بين الأدباء والأكاديميين والشعراء والفنانين والنقّاد وسواهم من محبّي الندوات والأمسيات وتواقيع الكتب التي اعتادها الجمهور طوال الأسبوع.
أمّا رونق إبداعات الفنان سعيد حدادين في المعرض التشكيلي المقام في إطار حفل إشهار الكتاب، فكان يحمل ملامح البشر، والانطلاق من حرصه على الجمال ومحمولات لوحات المرأة تحديدًا وقصص الاسكتشات بين هنا وهناك مما تأثّر ويتأثّر به في هذا الإطار، كفنان مرهف الإحساس له رسالته المخلصة في الجمال والفكر عن طريق الفنّ.
في الحفل، كان مؤثّرًا جدًّا أن تشهد البنت لأبيها، وأن تظلّ متماسكةً في إحساسها العذب ودموع من شاركها هذا الإحساس، وهي تشرح كيف أخذت عن الوالد الإنسان الفنان الملهم والسند، الفنّ والفكر والثقافة والحكمة والتأمّل وطول النظر والقلق الإبداعيّ والشقاء الجميل، وكلّ تلك الجمل كانت تنثال أمام فنانة وشاعرة في الوقت ذاته تنقل لنا على منصّة الإشهار فلسفة سعيد حدادين ومراياه التي عكست وجوهنا الكامنة ومآسينا الصامتة وأحلامنا المؤجلة، وكيف يكون الفنان ذاكرة وطن، فالفنّ ليس مهنةً كما علّمها، بل حياة ووجع ورؤية، واللون يس?خرج من الروح، فلا يكون عبثًا على القماش، ولذلك فقد كانت كلّ لوحة له تمثّل بوصلةً لها، خاصةً وهو فنانٌ رسم ذاته قبل أن يرسم العالم، ونقل الطبيعة والوجوه والحنين إلى سطح اللوحة دون أن يفقد دهشة الطفل في عينيه، فأورثها قلق الفنّ وعشق الشعر ومرارة البحث عن المعنى.
كانت المعرفة الشخصيّة بالفنان سعيد حدادين، كما قال شريكي على المنصّة، أستاذ الفلسفة الدكتور جورج الفار، تسبق المعرفة الفنيّة، انطلاقًا من إنسانيّة سعيد حدادين، حيث الفنان إنسان قبل أن يكون فنّانًا، وحيث الوجود يسبق الماهيّة كما يقول سارتر، فهو الفنان الدمث الرهيف، عاشق الجمال، وفي ذلك أكّد الدكتور جورج أهميّة «تثقيف» الحواس، والعلاقة القائمة بين الفن والثقافة، كما في لوحات صديقه الذي أشعره بالسعادة، وخفف كثيرًا من قسوة هذا العالم، وغلّب الفنّ على الوظيفة، حيث الموسيقى والفن والجمال مفردات تصنع المعنى التكا?لي للحياة.
من وجهة نظر راعي الحفل الدوق ممدوح بشارات، كان سعيد حدادين فيلسوفًا وفنانًا، ولوحاته تمثّل امتدادًا لروحه وللزمن، وتشيع في الإنسان التأمّل في حوار صامت؛ فهو لا يرسم الواقع بل يفسّره ويعيد صياغته بلغتين: لغة القلب ولغة العقل.
وبالنسبة لي، فقد حاورتُ سعيد حدادين في «الرأي» كثيرًا، ووقفت على تجربته وأفكاره، وكان الملحق الثقافي مزدهرًا في الرأي، وكذلك الصفحات الثقافيّة عامرة بالأخبار والمقابلات في العشرية الأولى من الألفية.
أمّا توقيعه الجميل على لوحاته واسكتشاته، فيذكّرنا بأصالة الفن، ونحن اليوم نعاني الذكاء الاصطناعي الذي تدخّل حتى في الذائقة الجمالية، فأفسد هذه الذائقة، وضاعت الرومانسية والإيحاءات والإيماءات، بكلّ هذه العاديّة في الفنّ والكتابة والاعتياد الماحق للمشاهد.
في حفل الإشهار، كانت مشاعر الضيوف تدعو أن تظل أيام الفنان حدادين خضراء وأحلامه مُزهرة، في مشروعه الفنيّ والثقافيّ، نحو إبداع فصول جديدة في عالم الجمال والفن..
