عروبة الاخباري –
تصدّرت الافتتاحية الجديدة لمجلة النادي الأرثوذكسي، بقلم رئيسة التحرير رلى السماعين، عدد شباط 2025 بمقال يعكس عمق القيم الإنسانية التي يجسّدها الشهر، حيث تناولت أسبوع الوئام بين الأديان، المبادرة التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني عام 2010، ويوم الوفاء والبيعة، الذي يرسّخ معاني الولاء والانتماء.
تطرح السماعين رؤية عميقة حول مفهوم السلام، مؤكدةً أنه ليس مجرد مصطلح سياسي أو نظرية خطابية، بل انعكاس لقناعات الأفراد وأخلاقهم، حيث يبدأ السلام من قرار داخلي يؤثر في استقرار المجتمعات والعالم بأسره.
يذكر بأن السماعين هي صحافية وكاتبة مختصة في حوارات الأديان والسلم المجتمعي، ورئيسة تحرير مجلة النادي الارثوذكسي ولها إصدارات أدبية متعددة. ما يلي كلمة العدد:
حل شهر شباط محمّلًا بمعانٍ عميقة تُذكّرنا بجوهر الإنسانية، حيث نحتفي بأسبوع الوئام بين الأديان، المبادرة أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة عام ٢٠١٠، لترسيخ ثقافة التفاهم بين أتباع الديانات المختلفة، إلى جانب “يوم الوفاء والبيعة”، الذي يجسد قيم الولاء للملك والانتماء للوطن. هاتان المناسبتان ليستا مجرد تواريخ تُضاف إلى التقويم، بل هما فرصتان للتأمل في مدى تأثير قراراتنا الفردية على السلام والاستقرار، سواء في مجتمعاتنا الصغيرة أو على مستوى العالم.
مع الوقت، تولدت عندي قناعة بأن البعض ينظر إلى السلام على أنه مصطلح جامد، أو مشروع سياسي تُدار مفاوضاته في قاعات المؤتمرات، أو نظرية غير قابلة للتطبيق لكنها دارجة في عصرنا نستخدمها فقط لتجميل الخطاب، بينما هو في جوهره أبسط من ذلك وأكثر تعقيدًا في آنٍ واحد، فهو يبدأ بقرار داخلي شخصي: كيف أرى نفسي؟ كيف أرى غيري؟ كيف أفسّر اختلافه عني؟ وهل أختار أن أراه بعين الاحترام أم بعين الشك والعداء؟ النتيجة واضحة: ما تعكسه في حياتك من سلام أو نقيضه هو انعكاس لقناعاتك الشخصية وأخلاقك. وكما ورد في الكتاب المقدس: “كُلُّ مَا تَعْمَلُونَهُ، فَاعْمَلُوهُ فِي الْمَحَبَّةِ”. فما من خطاب كراهية ظهر في العالم إلا وكان نتاج أفكار وقرارات فردية تراكمت لتتحول إلى أفعال مؤذية إن لم تُلجم، وما من حرب اندلعت إلا وكان لها جذور في عقلية رفض الآخر وعدم التقدير لكرامة الإنسان. وبالمقابل، ما من سلام تحقّق إلا وبدأ بفكرة، ثم تحوّل إلى قرار، ثم إلى فعل، ليصبح ثقافة. لهذا، فإن بناء السلام ليس مسؤولية الحكومات أو القادة الدينيين، بل يبدأ من عقلية الفرد وطريقة تفكيره ومدى التزامه الأخلاقي تجاه من حوله.
الالتزام الأخلاقي والاهتمام بالآخرين ليسا مجرد مفاهيم فلسفية أو منطقية، بل هما روح المجتمع الإنساني وأساس استقراره. من منظور منطقي، تستند الأخلاق إلى مبدأ المعاملة بالمثل—فلا يمكن للفرد أن يطالب بالعدل والإنصاف دون أن يمارسهما بنفسه. أما فلسفيًا، فقد رأى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت أن الواجب الأخلاقي مطلق، أي أنه التزام غير مشروط بالمكاسب الشخصية. لذا، عندما يضع الأفراد مصلحة الآخرين في صميم سلوكهم، فإنهم لا يبنون فقط مجتمعًا أكثر تماسكًا وثقة، بل يحققون لأنفسهم أيضًا شعورًا عميقًا بالرضا والإنجاز. فالأخلاق ليست مجرد التزام نظري، بل هي تجربة حية تعكس جوهر الإنسانية، حيث يكمن النجاح الحقيقي. ولنا في كلمة الكتاب المقدس دليلٌ حيٌّ: “لا تدع الرحمة والحق يتركانك. تقلدهما على عنقك. اُكتبهما على لوح قلبك. فتجد نعمةً وفطنةً صالحة في أعين الله والناس” (سفر الأمثال 3:3).
لتصفح العدد الأخير من النشر على الرابط أدناه
https://heyzine.com/flip-book/b9a1a6dc14.html