رندي حيدر/حماسة كيري

من المفارقات الأساسية التي تثير الدهشة في سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية والسابقة تمسكهما المطلق بثوابتهما ومواقفهما التقليدية من النزاع مع الفلسطينيين، على رغم كل التغييرات التي طرأت على المنطقة خلال العامين الماضيين، والاضطرابات التي تعصف بالدول العربية المحيطة بها. وآخر دليل على ذلك رفض إسرائيل الخطة التي اقترحها وزير الخارجية جون كيري المتحمس لمعاودة المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين.
ثمة اقتناع راسخ لدى رئيس الوزرتء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن عدم الاستقرار والفوضى اللذين يجتاحان دولاً أساسية مثل مصر وسوريا لا يساعدان في تقديم تنازلات الى الفلسطينيين من اجل معاودة المفاوضات في المرحلة الحالية، وان الافكار التي حملها كيري لا تلبي المطالب الإسرائيلية.
يعتقد الإسرائيليون انهم اكثر قدرة على استيعاب ما يجري في المنطقة وانعكاساته على النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني من الأميركيين، وانهم اكثر فهماً منهم للذهنية الفلسطينية. وهم ينظرون بشيء من السخرية والاستخفاف الى الحماسة التي يبديها وزير الخارجية الأميركي الجديد لتحريك العملية السلمية، وفي قرارة انفسهم يجدون في مسعى كيري الاخير لمعاودة المفاوضات فصلاً جديداً من الرحلات المكوكية ومن جلسات النقاش التي لن تثمر شيئاً، تماماً مثلما جرى سابقاً مع الموفد الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل الذي هو ايضاً كان شديد الحماسة في بداية مهمته، لكنه مع الوقت فقدها ويئس من اختراق الحائط المسدود وقدم استقالته، وكان انجازه الوحيد الحصول على موافقة الحكومة الإسرائيلية على تجميد البناء في المستوطنات الإسرائيلية مدة 10 أشهر. الواقع ان الرفض الإسرائيلي الجديد لخطة كيري يستند الى أكثر من عامل. هناك اولاً اقتناع الحكومة الإسرائيلية وخصوصاً بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها باراك أوباما لإسرائيل بان الإدارة الأميركية الجديدة لن تضغط عليها لتقديم تنازلات؛ العامل الثاني هو تراجع الاهتمام العربي والدولي بحل المشكلة الفلسطينية؛ أما العامل الثالث الذي لا يقل أهمية عن سابقيه فهو استمرار الانقسام الفلسطيني وضعف مكانة رئيس السلطة محمود عباس امام الصعود الكبير لقوة الزعامات السياسية لحركة “حماس” وفي طليعتها خالد مشعل.
في رأي الحكومة الإسرائيلية الحالية ليس الوقت الحالي ملائماً لحل النزاع التاريخي مع الفلسطينيين. فثمة امور اخطر تقض مضاجع الدول الكبرى غير الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، خصوصاً وان مستقبل دول أساسية في المنطقة هو اليوم في مهب الريح. ويبدو انه كما دفع الفلسطينيون في الماضي ثمن الهزائم العربية والتواطؤ الدولي مع إسرائيل، عليهم أن يدفعوا اليوم ثمن الاستغلال الإسرائيلي للاضطرابات العربية والتغييرات السياسية، وكذلك ثمن عجز الزعامة الفلسطينية الحالية، لاحباط توق الفلسطينيين الى الدولة المستقلة.

شاهد أيضاً

السمهوري: لماذا لا تقدم “إسرائيل”على قطع العلاقات مع ١٤٨ دولة؟

عروبة الإخباري – كتب عضو لجنة الشؤون الخارجية والبرلمانية في المجلس الوطني الفلسطيني، رئيس جمعية …

اترك تعليقاً