عروبة الأخباري _ تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو مرحلة جديدة من التكامل في قطاع النقل، عبر مشروع سكة حديد إقليمي يربط أراضي الدول الأعضاء الست بشبكة موحدة، ويتيح حركة أكثر سهولة للركاب والبضائع، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري وربط المراكز الصناعية والاقتصادية والموانئ الخليجية.
ويأتي توقيع الاتفاقية العامة للربط السككي، الأحد، في العاصمة البحرينية المنامة، ليشكل محطة جديدة في مسار المشروع الذي مر بمراحل متعددة من التخطيط والدراسة والإعداد التنظيمي، وتُقام مراسم التوقيع برعاية وحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول المجلس، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي.
اتفاقية لتنظيم الربط السككي تتضمن الاتفاقية وضع قواعد مشتركة تحكم آليات تنفيذ الشبكة وتشغيلها، وتوزيع الالتزامات بين الدول المشاركة، فضلاً عن اعتماد مواصفات فنية وتشغيلية موحدة ومعايير للسلامة، بما يضمن توافق خطوط السكك الحديدية الوطنية عند ربطها ببعضها.
وترجع الموافقة الأولى على إنشاء المشروع إلى ديسمبر 2009، حين أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون إقامة شبكة حديدية تصل الدول الأعضاء، انطلاقاً من الحاجة إلى تطوير وسائل النقل الإقليمية، وتيسير انتقال الأفراد والبضائع، وتحفيز الاستثمارات المشتركة، وتعميق التعاون الاقتصادي بين دول الخليج.
وتمتد الشبكة المخطط لها عبر السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان، بمسافة إجمالية تبلغ نحو 2117 كيلومتراً، فيما تُقدّر احتياجات إنشاء البنية التحتية الأساسية بنحو 15.4 إلى 16 مليار دولار.
ويعتمد التصور التشغيلي للمشروع على وصل خطوط السكك الحديدية المحلية في الدول الست ضمن نظام إقليمي واحد، يسمح بعبور القطارات من دولة إلى أخرى دون أن تتحول الحدود إلى عائق أمام حركتها، وذلك من خلال توحيد المتطلبات الفنية والتشغيلية وإجراءات السلامة وتحقيق التشغيل البيني بين الشبكات.
وتتوزع مهام الشبكة بين نقل المسافرين وخدمات الشحن، إذ تستهدف تسهيل انتقال البضائع بين الأسواق الخليجية، وربط المنشآت الصناعية والمراكز التجارية والموانئ والمناطق اللوجيستية، بما يرفع كفاءة حركة السلع داخل المنطقة.
أما من الناحية الفنية، فتصل السرعة المصممة لقطارات الركاب إلى 200 كيلومتر في الساعة، في حين تتراوح السرعة المحددة لقطارات البضائع بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة، وبذلك تجمع الشبكة بين خدمة التنقل بين المدن وتوفير ممر للنقل اللوجيستي يدعم التجارة وسلاسل الإمداد.
الهيئة الخليجية ومواعيد التشغيل ولا يتوقف إنجاز المشروع عند إنشاء المسارات الحديدية، بل يتطلب تنسيقاً بين الدول في الجوانب الإدارية والتنظيمية والفنية والتشغيلية، مع تحديد مسؤوليات كل طرف وضمان اتصال الخطوط الوطنية ضمن منظومة متوافقة.
ومن أجل إدارة هذا القطاع وتنسيق العمل المشترك، أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون في ديسمبر 2021 تأسيس الهيئة الخليجية للسكك الحديدية، لتكون معنية بتنظيم صناعة النقل بالقطارات في الدول الأعضاء، ومتابعة تنفيذ المشروع وتشغيله باعتباره شبكة إقليمية واحدة، والعمل على تحقيق الانسجام والتكامل بين الخطوط الوطنية.
وفي ديسمبر 2023، حدد المجلس الوزاري الخليجي شهر ديسمبر 2030 موعداً مستهدفاً لوصول المشروع إلى التشغيل الكامل بين الدول الست، كما أتاح القرار بدء تشغيل خطوط الربط بين الدولتين المتجاورتين فور إنجاز الجزء الواصل بينهما، دون ربط ذلك باكتمال جميع أجزاء الشبكة.
ويمنح هذا التوجه المشروع مرونة في التنفيذ، إذ يمكن تشغيل المقاطع المنجزة والاستفادة منها تباعاً، بدلاً من انتظار انتهاء الأعمال في مختلف الدول، الأمر الذي يسمح بتحقيق عوائد مرحلية من الاستثمارات المخصصة للشبكة.
وفي هذا الإطار، تأتي الاتفاقية العامة لتحدد أسس التعاون خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وتضبط المواصفات الفنية والتشغيلية، وتوضح مسؤوليات الدول، إلى جانب دعم دور الهيئة الخليجية للسكك الحديدية في متابعة التنفيذ والتعامل مع الصعوبات التي قد تظهر خلال تقدم الأعمال.
وسبق أن وافق المجلس الأعلى على الاتفاقية العامة للمشروع في ديسمبر 2025، لتبدأ بعدها الإجراءات اللازمة لاستكمال الترتيبات بين الدول الأعضاء قبل الوصول إلى مراسم توقيعها الحالية.
جسر الملك حمد يربط البحرين يمثل ربط البحرين بالسعودية أحد المكونات المهمة في مشروع السكك الحديدية الخليجي، حيث تستهدف الخطط البحرينية الاتصال بالشبكة عبر جسر الملك حمد المقترح، الذي يضم مسارات للقطارات إلى جانب المسارات المخصصة للمركبات.
ويتيح هذا الاتصال للبحرين الاندماج في شبكة النقل الإقليمية، بدلاً من اقتصار الربط على الحركة بين البلدين، إذ يمكنها الاستفادة من امتداد الخطوط عبر السعودية نحو بقية دول مجلس التعاون، بما يوسع خيارات نقل البضائع والتجارة والوصول إلى الموانئ والمراكز اللوجيستية الخليجية.
تنويع مسارات التجارة والإمداد وقد أعادت التحديات التي واجهت حركة الملاحة في المنطقة إبراز الحاجة إلى تعدد خيارات نقل البضائع، خصوصاً مع تأثر التجارة وسلاسل الإمداد بالاعتماد على ممرات محددة، وفي مقدمتها المسارات البحرية في منطقة الخليج.
وفي ضوء هذه التطورات، برزت أهمية تعزيز شبكات النقل البرية والحديدية وتوسيع الترابط بين الموانئ والمراكز التجارية، بما يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع التغيرات التي قد تطرأ على حركة الشحن والملاحة.
وتطرق الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات البحريني، إلى هذه المسألة، موضحاً، أن الصعوبات التي شهدها عبور السفن كشفت أهمية الإسراع في تنفيذ مشروع السكك الحديدية الخليجية، وتعزيز الترابط بين أنظمة النقل في الدول الأعضاء.
وبيّن، أن البحرين اتجهت، لمواجهة التحديات التي أثرت في الملاحة وتراجع حركة السفن عبر ميناء خليفة بن سلمان، إلى توسيع استخدام النقل البري والاستعانة بموانئ بديلة في دول خليجية مجاورة، وشملت هذه الخيارات ميناء جدة الإسلامي في السعودية، وميناءي صحار والدقم في سلطنة عُمان، وميناء الفجيرة في الإمارات، لنقل الشحنات من تلك الموانئ براً إلى البحرين.
وتوضح هذه التجربة أهمية وجود شبكة إقليمية مترابطة توفر أكثر من مسار لوصول البضائع، وتحد من ارتباط حركة الإمدادات بوسيلة نقل واحدة أو ممر بحري بعينه، ومع ذلك، لا يُنظر إلى السكك الحديدية باعتبارها بديلاً مباشراً عن النقل البحري، وإنما وسيلة مكملة له ضمن منظومة أوسع لسلاسل الإمداد.
وعلى مستوى النشاط الاقتصادي، يُنتظر أن يؤدي تشغيل الشبكة إلى تحسين كفاءة نقل عدد من أنواع البضائع بين الأسواق الخليجية، والمساهمة في خفض تكاليف نقلها، فضلاً عن تقوية الروابط بين المناطق الصناعية والموانئ والمراكز التجارية.
كما تمتد الآثار المتوقعة إلى قطاع السياحة، من خلال تيسير التنقل بين دول المجلس، وفتح مجالات استثمارية في الخدمات اللوجيستية والمستودعات ومراكز الشحن والأنشطة المساندة لقطاع السكك الحديدية، ومن شأن مرور الخطوط بالمناطق المختلفة أن يعزز جاذبيتها للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
وفي الجانب البيئي، توفر القطارات وسيلة جماعية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والحد من الانبعاثات مقارنة ببعض وسائل النقل الأخرى، خصوصاً عند نقل أعداد كبيرة من الركاب وكميات واسعة من البضائع، بما يساند توجه دول الخليج نحو تطوير وسائل نقل أكثر استدامة.
وبتوقيع الاتفاقية العامة، تدخل الدول الأعضاء مرحلة متقدمة من التنسيق لتنفيذ المشروع، إلا أن بلوغ مرحلة التشغيل الشامل يظل مرهوناً بإنجاز البنية التحتية داخل كل دولة، وتحقيق التوافق الفني والتشغيلي بين الشبكات الوطنية، والالتزام بالمواعيد الزمنية المعتمدة، وصولاً إلى تشغيل شبكة السكك الحديدية الخليجية بالكامل في ديسمبر 2030.