سواءً كنتَ مؤمناً بالسردية التي تعتبر فلسطين أرضاً عربية احتلها الصهاينة عام 1948، وطردوا أغلب شعبها من أرضهم، أم كنتَ مؤمناً بالسردية الصهيونية بأنها أرض الميعاد التي عاش فيها اليهود منذ آلاف السنين وعادوا إليها من الشتات، فإنه في الحالتين كلتيهما هناك يهود وُلدوا في إسرائيل عقب احتلالها عام 1948، وهناك عرب ظلُّوا موجودين في أرضهم رغم قيام دولة إسرائيل، بما يعني أن «المستقبل الطبيعي» يجب أن يضمن تعايشاً بين اليهود والعرب على هذه الأرض، وأن تغيير طبيعة الدولة العبرية لتصبح دولة مدنية يعيش عليها الجميع ستظل معركة مشروعة مهما شهدت من انتكاسات، حتى أصبحت حالياً أقرب إلى الأحلام.
والحقيقة أن ما جرى من تكتل قومي وديني وعلى أساس الهوية من النخب الحزبية والسياسية اليهودية بما يشبه الإجماع، كان من أجل عدم الدخول في أي تحالف مع الأحزاب العربية، ومنه حديث المعارضة بزعامة غادي آيزنكوت بأن أي تحالف مع أي من القائمتين العربيتين سيعني فقدان ثقة الناخب اليهودي الذي بات ينظر، ليس فقط إلى القوائم العربية وإنما إلى الوجود العربي في فلسطين التاريخية، على أنه عبء يجب إقصاؤه والتخلص منه، لا دمجه في المنظومة السياسية واعتبار العرب مواطنين يكون الاتفاق والاختلاف معهم على التوجه السياسي؛ لا على هويتهم القومية كعرب.
وقد اعتبر رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو مجرد التفكير في إقامة تحالف مع الأحزاب العربية عاراً وخيانة لدولة إسرائيل، وركَّز طوال سنوات حكمه على تكريس القطيعة مع الأحزاب العربية، باعتبارها «خطراً» على الدولة، حتى دفع معظم أحزاب المعارضة اليهودية -بما فيها أحزاب الوسط وبعض الأحزاب التي تصف نفسها باليسار- إلى التماهي مع توجهاته، فباتت لا تنظر إلى الأحزاب العربية على أنها يمكن أن تكون شريكاً محتملاً في تشكيل الحكومة، وإنما اعتبرتها تهديداً لشرعيتها وسط الناخبين الذين باتوا يشاركون بهمَّة في عملية الإقصاء المنظم للوجود العربي والأحزاب العربية، ليقتصر دورهم على المشاركة في الانتخابات، ومحاولة تمثيل الهموم المحلية لعرب إسرائيل من دون أي مشاركة في السلطة التنفيذية.
وأصبحت الدولة العبرية بهذه الممارسات استثناءً كونياً. صحيح أن بلداً مثل أميركا عرف نظام تمييز عرقي، ولكنه عاد منذ أكثر من ستة عقود وأسس نظاماً سياسياً طبيعياً، ودمج أقليته السمراء في نظامه السياسي، وانتخب الشعب الأميركي رئيساً أسبق من أصول أفريقية. كما أن الأحزاب الرئيسية تسعى لاستقطاب الناخبين من أصول لاتينية وعربية وأفريقية لصالح مرشحيها، كما شهدنا في انتخابات التجديد النصفي وغيرها، ولا تستبعدهم وتقول لهم أو لبعضهم: ليس لكم الحق في الحكم لأن أصولكم العرقية ليست مثل الأغلبية البيضاء.
أما في أوروبا التي تعرف صعوداً لأحزاب أقصى اليمين، ويروج البعض فيها لخطاب عنصري في مواجهة المهاجرين والمواطنين الأوروبيين من أصول مهاجرة، وجدنا في الوقت نفسه أحزاباً أوروبية ليبرالية ويسارية تسعى لاستقطاب هؤلاء بين صفوفها، حتى أصبحوا قوة تصويتية وسياسية حقيقية في مواجهة اليمين المتطرف، وشهدنا انتخاب عُمَد في مدن كبرى من المسلمين، مثل لندن وغيرها.
إن الدول الطبيعية لم تفرض في 2026 «فيتو عرقياً» على أقلية بعينها إلا في إسرائيل، ولم تمارس دولة مؤسسات وقانون هذا العزل لما يقرب من ربع عدد سكانها إلا الدولة العبرية التي بنت نظاماً ديمقراطياً فريداً يخص فقط المواطن اليهودي، على عكس بقية دول العالم التي قد يحدث فيها تمييز ونرى فيها خطاباً عنصرياً لعرقلة نجاح مرشح من أصول عرقية غير بيضاء، كما حدث مع زهران ممداني، ولكن لا أحد يجرؤ «من الرئيس حتى الغفير» على أن يقول له: «لن تكون عمدة نيويورك لأنك من أصول مسلمة»، أو يضع «فيتو» على الفائزة في الانتخابات المحلية لمدينة برلين، والمرشحة الأبرز لرئاسة حكومتها، إليف إرالب؛ لأنها من أصول تركية.
صحيح أن الانتخابات الإسرائيلية كشفت عن قدرة النظام السياسي على استيعاب تنافس وصراعات حادة بين الأحزاب السياسية اليهودية، إلا أنه أسس نظام نقاء عرقي بامتياز قائماً على العقيدة الدينية، ويمارس إقصاء مقنناً على أساس الهوية والأصل العرقي والقومي، بصورة لا يمكن أن نجدها في أي نظام آخر في العالم.
سواء أعيدت الانتخابات الإسرائيلية مرة أخرى أم لا، وسواء قَبِلت المعارضة اليهودية بوجود دور للنواب العرب في إسقاط رئيس البرلمان المؤيد لنتنياهو أم لا، فإن اقتصار دورهم على اختيار رئيس برلمان أو المساهمة الخفية في تشكيل حكومة معارضة ضد نتنياهو، يمثل خللاً هيكلياً في بنية النظام السياسي الذي قنَّن الإقصاء العرقي والقومي والديني في النصوص الدستورية (يهودية الدولة) وفي الممارسة العملية.