عمان– في اقتصاد يواجه تداعيات أزمات إقليمية ودولية متلاحقة، يبرز الاستقرار النقدي بوصفه إحدى أهم ركائز الصمود الاقتصادي، وعنصرا حاسما في تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وحماية القوة الشرائية، وتوفير بيئة أكثر وضوحا للادخار والاستثمار. وفي الحالة الأردنية، اكتسب هذا الاستقرار أهمية مضاعفة خلال السنوات الماضية، في ظل تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من موجات تضخمية عالمية، وصولا إلى الاضطرابات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على اقتصادات المنطقة.
وفي مؤشر دولي يعكس مكانة هذا الاستقرار، حل الأردن في المرتبة الثالثة عالميا في محور “سلامة النقد” ضمن تقرير الحرية الاقتصادية في العالم لعام 2026، الصادر عن معهد فريزر الكندي، مسجلا 9.59 نقطة من أصل 10، بعد سويسرا وفنلندا، استنادا إلى بيانات عام 2024.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التقدم لا يقتصر على تحقيق ترتيب متقدم في أحد المؤشرات الدولية، بل يعكس أهمية المنظومة النقدية والمصرفية الأردنية في ترسيخ الثقة بالدينار، والحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار وسعر الصرف، وتعزيز قدرة الأفراد والشركات على التخطيط المالي في بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.
لكن الأهمية الاقتصادية لهذا الإنجاز تتجاوز الحفاظ على الاستقرار النقدي بحد ذاته؛ إذ يتمثل التحدي الأبرز في البناء على هذه الميزة لتعزيز جاذبية الأردن الاستثمارية، وتحفيز المشاريع الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتوليد فرص العمل، بما يضمن انتقال أثر الثقة النقدية إلى النشاط الاقتصادي ومستويات المعيشة.
ويقيس محور “سلامة النقد” (Sound Money) قدرة البيئة النقدية على توفير عملة مستقرة، من خلال مجموعة من المعايير المرتبطة بمستويات التضخم، ونمو المعروض النقدي، ومدى استقرار الأسعار، وإمكانية الاحتفاظ بحسابات مصرفية بالعملات الأجنبية.
وبحسب نتائج التقرير، سجل الأردن 9.59 نقطة من أصل 10 في هذا المحور، ليأتي ثالثا عالميا، في نتيجة تسلط الضوء على موقع الاستقرار النقدي ضمن نقاط القوة في الاقتصاد الوطني.
وعلى مستوى المؤشر العام للحرية الاقتصادية، حل الأردن في المرتبة الخمسين عالميا من بين 165 دولة ومنطقة شملها التقرير، مسجلا 7.38 نقطة من أصل 10. كما جاء في المرتبة الخامسة والعشرين عالميا في محور القوانين واللوائح التنظيمية، بالنتيجة نفسها البالغة 7.38 نقطة، وهو ما يعكس أداء متفاوتا بين المحاور التي يتناولها المؤشر، ويفتح المجال أمام مواصلة تطوير البيئة التنظيمية إلى جانب المحافظة على المكتسبات النقدية. وتكتسب هذه النتائج أهميتها من ارتباطها بقدرة الاقتصاد على توفير بيئة أكثر قابلية للتنبؤ، خصوصا في ظل اعتماد قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي على الاستيراد، وحاجة الشركات إلى إدارة تكاليفها والتزاماتها المالية في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
المحروق: استقرار النقد أساس الثقة بالاقتصاد
قال مدير عام جمعية البنوك في الأردن، ماهر المحروق، إن حصول المملكة على المرتبة الثالثة عالميا في محور “سلامة النقد” يمثل إنجازا مهما يعزز مكانتها على خريطة الاستقرار النقدي العالمي، ويقدم مؤشرا داعما للثقة بالبيئة النقدية الأردنية.
وأضاف المحروق، إن أهمية النتيجة تنبع من طبيعة المعايير التي يقيسها المحور، وفي مقدمتها التضخم واستقراره، ونمو المعروض النقدي مقارنة بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، وإمكانية الاحتفاظ بحسابات مصرفية بالعملات الأجنبية، وهي عوامل تؤثر في قرارات الأفراد والشركات المتعلقة بالادخار والتمويل والاستثمار. وأشار إلى أن المؤشرات النقدية المحلية تدعم هذه القراءة؛ إذ بلغ إجمالي الاحتياطيات الأجنبية نحو 28.47 مليار دولار في نهاية أيلول 2026، فيما سجل معدل التضخم 2.26 % خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بحسب البيانات التي أشار إليها.
وأوضح أن استقرار النقد يقلل حالة عدم اليقين المحيطة بالقرارات الاقتصادية، ويمنح المستثمرين والشركات قدرة أكبر على تقدير تكاليف المشاريع وإيراداتها المستقبلية، وإدارة التدفقات النقدية، ووضع الخطط المالية على المديين المتوسط والطويل.(الغد)
الأردن ثالث العالم في “سلامة النقد”.. استقرار الدينار ركيزة للثقة
4