أودري كورث كرونين – (فورين أفيرز) –
بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، ما تزال الولايات المتحدة تتعامل مع “القاعدة” كما لو أن التنظيم الذي أسسه أسامة بن لادن ما يزال قائمًا بالهيكل والقدرات اللذين امتلكهما في مطلع القرن. لكن دراسة مسار التنظيم تكشف صورة مختلفة: “القاعدة” المركزي انتهى فعليًا، حتى مع استمرار جماعات متطرفة تستخدم اسمها أو تستلهم أفكارها في مناطق مختلفة. وفي قراءة تستند إلى عقود من دراسة كيفية انتهاء التنظيمات الإرهابية، تجادل أودري كورث كرونين بأن “القاعدة” هُزم أساسًا بفشله الاستراتيجي، وبفقدانه الدعم الشعبي، وانقساماته الداخلية، وتفكك قدرته على العمل كتنظيم مركزي، وأن الإصرار الأميركي على إبقاء مصطلح “فروع القاعدة” حيًا يضخم حجم الخطر ويشوّش طبيعة المعركة. والأهم أن هذا الإرث يطرح سؤالًا أوسع عن جدوى “الحرب على الإرهاب” حين يتحول تكتيك إلى عدو دائم، وتصبح الحرب نفسها أكثر استمرارية من التنظيم الذي بدأت لمواجهته.
***
تنظيم “القاعدة” الذي أسسه وقاده أسامة بن لادن، ذلك التنظيم الذي نفذ في 11 أيلول (سبتمبر) قبل ربع قرن هجمات أودت بحياة 2.977 أميركياً في “مركز التجارة العالمي” والبنتاغون وريف بنسلفانيا، لم يعد له وجود. ويجدر بالمسؤولين الأميركيين أن يقولوا ذلك صراحة بدلاً من تلميع إرث التنظيم من خلال التصرف والتحدث كما لو أنه ما يزال قائماً. صحيح أن الإرهاب لم يتوقف، وأن التطرف لم يختف، وأن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قد تشعل مزيداً من أعمال العنف وتؤجج مزيداً من المشاعر المعادية للولايات المتحدة، لكن التنظيم الذي هاجم الولايات المتحدة في 11 أيلول (سبتمبر) انتهى.
في السنوات التي أعقبت الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، كرس آلاف الأميركيين حياتهم للثأر للضحايا. فقد ولّد مشهد الطائرات وهي ترتطم بالأبراج، والناس الأبرياء وهم يسحقون أو يحترقون أو يقفزون فيلقون مصرعهم، ردّ فعل جارفاً ومشحوناً بالعاطفة. وكان ثمن التصدي لهذا الهجوم باهظاً: في حروب ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، لقي أكثر من 15 ألفاً من أفراد الجيش الأميركي والمتعاقدين معه حتفهم في المعارك، وأصيب نحو 1.8 مليون آخرين بإعاقات. وبين العامين 2012 و2021، كان عدد أفراد الجيش في الخدمة الفعلية أو المحاربين القدامى الذين ماتوا انتحاراً يعادل أربعة أضعاف عدد الذين ماتوا في القتال. وانضم جنود من حلفاء الولايات المتحدة المخلصين، ولا سيما كندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، إلى الولايات المتحدة في القتال، وفقد مئات منهم حياتهم وهم يقاتلون جنباً إلى جنب مع الأميركيين. ويستحق هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم أن يعرفوا أن جهودهم لم تذهب سدى. وقد خسرت واشنطن وحلفاؤها الحرب في أفغانستان، لكنهم نجحوا في مواجهة تنظيم “القاعدة”.
ما يزال الإرهاب القائم على أسس دينية يشكل تهديداً، ولم تنجح الجهود في تحييد كل جماعة تستخدم اسم “القاعدة”. وهناك تنظيمات خطرة تنشط في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب آسيا. وتشن هذه المنظمات هجمات وتسيطر على أراض، وقد اقترب بعضها من إسقاط حكومات، ولا سيما في مالي والصومال واليمن. كما أن متطرفين إسلامويين من مختلف التيارات يتلقون التدريب في أفغانستان التي تحكمها حركة “طالبان”، وهو تطور يستدعي المراقبة عن كثب. لكن التنظيمات التي تُعرف أحياناً باسم “فروع القاعدة” لا تتلقى توجيهاً أو قيادة مركزية من تنظيم بن لادن. ولذلك ينبغي للمسؤولين التوقف عن تصويرها على هذا النحو، إذ إن ذلك يضخم حجم الخطر الذي تمثله من دون أن يسهم في تسهيل مواجهتها. بل سيكون من الأفضل التوقف تماماً عن استخدام مصطلح “فروع القاعدة” أصلاً.
تُظهر دراسة نمط الهجمات المرتبطة مباشرة بتنظيم “القاعدة” كيف أن التنظيم المركزي بدأ يفقد قوته وزخمه تدريجاً. قبل 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حافظ تنظيم “القاعدة” المركزي على وتيرة ثابتة من العمليات العالمية ضد أهداف أميركية. وكان سجله يشمل تفجير “مركز التجارة العالمي” في العام 1993 (الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من ألف آخرين)؛ وتفجير مجمع أبراج الخُبر في العام 1996 (الذي أدى إلى مقتل 19 شخصاً وإصابة مئات)؛ وتفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا في العام 1998 (مما أسفر عن مقتل 224 شخصاً وإصابة آلاف)؛ والهجوم على المدمرة الأميركية “يو إس إس كول” في العام 2000 (الذي أدى إلى مقتل 17 شخصاً).
وبعد العام 2001، شملت جهود تنظيم “القاعدة” المركزي ضد الولايات المتحدة محاولة فاشلة في العام 2001 لتفجير قنبلة وُضعت في حذاء على متن طائرة متجهة إلى ميامي؛ ومخططاً انتحارياً فاشلاً في العام 2009 لاستهداف شبكة مترو الأنفاق في مدينة نيويورك. لكن التنظيم ألحق ألماً أكبر بأصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها مما ألحقه بالولايات المتحدة نفسها من خلال شن هجمات دامية في بالي في العام 2002؛ والرياض في العام 2003؛ ولندن في العام 2005. لكنّ الزخم انتقل بعد تلك الموجة التي بلغت ذروتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى جماعات إسلاموية متطرفة أخرى. وبعد العام 2009 توقفت عمليات تنظيم “القاعدة” المركزي على مستوى العالم فعلياً.
على مدى عقود، تمت دراسة الطريقة التي تنتهي بها الجماعات الإرهابية استناداً إلى قاعدة بيانات تضم 457 حملة إرهابية وتنظيماً إرهابياً تعود لقرن مضى. ومن خلال تحليل تركيبتها وأهدافها والجمهور الذي تسعى إلى التأثير فيه، يمكن تحديد مسارات مشتركة تتخذها هذه الجماعات. وعلى الرغم من أن هذه المسارات ليست متعارضة بالضرورة، إلا أن هناك ستة مسارات رئيسة تسلكها هذه الجماعات في نهاية المطاف، هي: تصفية القيادات، أو التفاوض، أو تحقيق الأهداف، أو الفشل، أو القمع العسكري والأمني، أو التحول إلى أنشطة أخرى مثل الجريمة المنظمة أو التمرد المحلي. وفي حالة تنظيم “القاعدة” المركزي، وعلى الرغم من أن التخلص من القيادات والقمع العسكري أديا دوراً مهماً، فإن التنظيم انتهى بشكل أساسي بسبب الفشل الاستراتيجي -تماماً كما كان بن لادن يخشى أن يحدث.
هدف متحرك
في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كان ينبغي أن تركز الحملة الأميركية على القضاء على منفذي الهجمات. لكن الولايات المتحدة أخفقت في تحديد التهديد بوضوح. لم يذكر “قانون تفويض استخدام القوة العسكرية” الذي أقره الكونغرس في 14 أيلول (سبتمبر) 2001 تنظيم “القاعدة” بالاسم على الإطلاق، واكتفى فقط بتحديد أعداء واشنطن بصورة مبهمة بأنهم “تلك الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يحدد الرئيس أنهم خططوا للهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أو أجازوها أو ارتكبوها أو ساعدوا في تنفيذها”. وبعد أيام قليلة، كرر الرئيس جورج دبليو بوش الطرح نفسه، حيث قال: “إن حربنا على تنظيم ’القاعدة‘ تبدأ بتنظيم ’القاعدة‘، لكنها لا تنتهي عنده. ولن تنتهي قبل العثور على كل جماعة إرهابية ذات نطاق عالمي، وإيقافها، وهزيمتها”.
وهكذا، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على تكتيك كان له دور في تشكيل العنف السياسي في العالم الحديث منذ اجتاح إرهاب الحركات الفوضوية أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، وبذلك وضعت واشنطن لنفسها مهمة يستحيل إنجازها. عند تحديد “الإرهاب” على أنه العدو، فإن ذلك يعني أن جهودها ستفتقر إلى الوضوح وستستمر بلا نهاية واضحة. وكان ما أعقب ذلك حملة أميركية غير محددة الأهداف في أفغانستان، (أطاحت بسلطة حركة طالبان في كابول، لكنها سمحت لبن لادن وأعوانه بالفرار).
ثم جاءت الحرب على العراق حيث لم يكن تنظيم “القاعدة” نشطاً أصلاً إلى أن ظهر أحد فروعه بعد مرور عام على الاحتلال العسكري الأميركي. وقد أسهم غزو العراق في إطالة عمر “القاعدة” أكثر من أي حدث آخر، حيث استقطب مجندين جدداً من المجتمعات الإسلامية السنية في جميع أنحاء العالم، وأوجد في نهاية المطاف الظروف التي سمحت بظهور تنظيم “داعش”.
مع ذلك، وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين اللاحقة، تمكنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها، من هزيمة تنظيم “القاعدة” بقيادة بن لادن، ولو أن ذلك حدث أحياناً رغماً عنها تقريباً، وغالباً بمساعدة غير مقصودة من التنظيم نفسه. وكان أحد العوامل المهمة مقتل أسامة بن لادن في أيار (مايو) 2011 في أبوت آباد في باكستان، وهو حدث أضعف بشدة تماسك “القاعدة”. وقد اقتحمت القوات الأميركية مجمع بن لادن وقتلته، ثم نقلت جثته بطائرة مروحية إلى حاملة طائرات وألقتها في البحر، مما حال دون إقامة أي ضريح أو نقطة تجمُّع لأتباعه. وبالنسبة لمكافحة الإرهاب الأميركية، كانت أهمية الوثائق التي تم العثور عليها في ذلك الهجوم تضاهي أهمية مقتل بن لادن نفسه، حيث قدّمت أدلة دامغة على أن بن لادن لم يكن يدير عمليات التنظيم مركزياً منذ فترة من الزمن. ولم ينه مقتله تنظيم “القاعدة”، ولكنه كان بمثابة تحقيق للعدالة، وقوض قدرة مؤيديه وأنصاره على الالتفاف حوله.
بحلول أيلول (سبتمبر) 2011، كان المسؤولون الأميركيون يزعمون أن عدد الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة ممن ارتبطوا مباشرة بتنفيذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لا يتجاوز بضع عشرات. ولكن بدلاً من إعلان النصر على التنظيم في ذلك الوقت والمضي قدماً، وسّعت الولايات المتحدة نطاق عمليات حملة الطائرات المسيرة الأميركية ومجموعة أهدافها، وهي الحملة التي بدأت في العام 2002 في عهد بوش وتسارعت وتيرتها في بداية إدارة أوباما. وبدلاً مما تسمى الهجمات الموجهة ضد شخصيات (التي تستهدف قادة معروفين)، تحولت الحملة إلى “ضربات قائمة على البصمة السلوكية” تستهدف أفراداً أو مجموعات مجهولين يستوفون مواصفات معينة -ليس في أفغانستان وباكستان فحسب، بل أيضاً في الصومال واليمن.
أدت حملة الطائرات المسيرة إلى إضعاف صفوف تنظيم “القاعدة”، وحققت الانتقام ممن يقفون وراء محاولات الهجوم، على سبيل المثال من خلال تصفية أعضاء من فرع “القاعدة” في اليمن دربوا وسلحوا عمر فاروق عبد المطلب، “انتحاري الملابس الداخلية المفخخة” الذي حاول إسقاط طائرة ركاب مدنية في العام 2009. لكن هجمات الطائرات المسيرة أسهمت أيضاً في تحفيز الإرهاب: وفقاً لمقابلات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي رُفعت عنها السرية، قال منفذ تفجير ماراثون بوسطن في العام 2013، تاميرلان تسارناييف (الذي استلهم أفكاره أيضاً من فرع القاعدة في اليمن)، لأحد أصدقائه أن قتل طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات في ذلك الهجوم كان مبرراً لأن أطفالاً في أفغانستان وباكستان قُتلوا جراء ضربات الطائرات المسيرة الأميركية. وكان لحملة الطائرات المسيرة أثر استراتيجي في مواقف حلفاء الولايات المتحدة، حيث ازدادت مواقف الرأي العام في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة تشدداً تجاه “الحرب العالمية على الإرهاب” التي تشنها واشنطن. وكانت الطائرات المسيرة مُهمة من الناحية التكتيكية وربما أنقذت أرواحاً، لكنها لم تقض على تنظيم “القاعدة”.
كان التعاون في مجال الاستخبارات وإنفاذ القانون بين حلفاء الولايات المتحدة أكثر أهمية لتحقيق ذلك النجاح، وما يزال يشكل حجر الأساس في الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب. فالإجراءات الجديدة للحد من تمويل الإرهاب، والفحص البيومتري وقواعد البيانات، والوسائل الجديدة لتبادل المعلومات الاستخبارية بين الحلفاء، ساعدت واشنطن في رصد التهديدات خارج الحدود الأميركية. وفي العام 2006، على سبيل المثال، أحبط التعاون الوثيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية مخططاً مرتبطاً بتنظيم “القاعدة” لتهريب مادة “تي إيه تي بي” TATP المتفجرة في عبوات مشروبات وإسقاط طائرات مدنية متجهة إلى الولايات المتحدة فوق المحيط الأطلسي.
التفكك والانهيار
كان جزء كبير من الأضرار التي لحقت بتنظيم “القاعدة” من صنع التنظيم نفسه. وكان أحد العوامل الرئيسة التي أضعفته هو رد الفعل العنيف على الهجمات الإرهابية التي ألحقت الأذى بالمدنيين المسلمين، وما ترتب على ذلك من فقدان التنظيم للدعم داخل المجتمعات التي كان يفترض أن يمثلها. وقد أدرك بن لادن أن هذه نقطة ضعف، وبدت مشاعر الإحباط واضحة في المراسلات التي عُثر عليها في مجمعه السكني في أبوت آباد. وفي رسالة كان قد كتبها في أيار (مايو) 2010 إلى أحد مساعديه، حذر قائلاً: “هنا تتبدد الصورة التي كوَّنها المسلمون عنا، وهي أننا المدافعون عنهم والمحاربون لألد أعدائهم؛ التحالف الصليبي الصهيوني، [وبدلاً من ذلك] نصبح قتلة لأشخاص يعتبرهم عامة الناس مسلمين”.
بالعودة وراءً في الزمن، بدأ تنظيم القاعدة في تأسيس فروع له حول العالم في العام 2004. لكن هذه الفروع كانت تنشأ عادة من تنظيمات قائمة أصلاً، وكانت روابطها بالتنظيم الأساسي تتسم أحياناً بالغموض على مستوى العمليات. ووفقاً لتقديرات بن لادن نفسه، فإن الفروع والجماعات التابعة المارقة أضرت بقضية “القاعدة” أكثر مما أفادتها بالنظر إلى أن معظم ضحايا أعمال العنف التي ارتكبتها تلك الجماعات كانوا من المدنيين المسلمين الذين كانت عائلاتهم ومجتمعاتهم تحمّل تنظيم “القاعدة” المسؤولية عن ذلك. وتشير بيانات أحد استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” للبحوث ضمن مشروع “المواقف والاتجاهات العالمية” إلى أنه في الفترة ما بين العامين 2003 و2011، تراجعت نسبة التأييد الشخصي لبن لادن في إندونيسيا من 59 في المئة إلى 26 في المئة؛ وفي الأردن من 56 في المئة إلى 13 في المئة؛ وفي الأراضي الفلسطينية من 72 في المئة إلى 34 في المئة. أما في باكستان حيث كان بن لادن يختبئ، فقد تراجعت نسبة تأييده من 46 في المئة في العام 2003 إلى 18 في المئة في العام 2010. وهكذا، بعد مرور عقد كامل على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كان حلم بن لادن بإنشاء قوة توحد المسلمين قد تبخر تماماً.
كما لعبت الانقسامات الداخلية أيضاً دوراً في زوال تنظيم “القاعدة”. وكان الانقسام الأبرز هو انشقاق تنظيم “داعش” الذي كان قد بدأ كفرع تابع لتنظيم “القاعدة” قبل أن يغير اسمه. وفي العام 2014، سيطر تنظيم “داعش” على مساحات شاسعة من العراق وسورية، وجذب نحو 15 ألف مقاتل أجنبي من 80 دولة للانضمام إلى خلافته التي أعلنها من جانب واحد. وقد شكل ذلك تحدياً هائلاً للتنظيم الأساسي، حيث كان تنظيم “القاعدة” يمتلك الأفكار بينما كان “داعش” يمتلك أرضاً يسيطر عليها.
في الواقع، أظهر مسار “داعش” المشكلة الجوهرية التي تنشأ عند التعامل مع فروع لم تكن تشارك بن لادن استراتيجيته، (وربما لم تكن تفهمها أصلاً). وفي العام 2005، وجه أيمن الظواهري، النائب الأول لبن لادن، رسالة إلى أبو مصعب الزرقاوي (زعيم ما كان يعرف آنذاك بـ”تنظيم القاعدة في العراق”، الذي تحول لاحقاً إلى تنظيم “داعش”)، ينصحه فيها بالتوقف عن قتل المدنيين الشيعة وقطع رؤوس الرهائن في مقاطع فيديو مروعة. وكتب الظواهري: “من بين الأمور التي لن تستسيغها مشاعر عامة المسلمين الذين يحبونكم ويدعمونكم مشاهد ذبح الرهائن. نحن لسنا في حاجة إلى ذلك”. غير أن الزرقاوي تجاهل تلك النصيحة. وفي العام 2006، قُتل الزرقاوي في غارة جوية أميركية، إلا أن التطرف الديني مال بوضوح نحو نهجه خلال العقد التالي وابتعد عن نهج تنظيم القاعدة الذي كان يتسم بحذر أكبر نسبياً.
ومع ذلك، حتى في الوقت الذي كان فيه تنظيم “داعش” يطغى على تنظيم “القاعدة” ويتفوق عليه، بدأت حدود نهجه تتضح بطريقة أكدت صحة تحذير الظواهري. وكان أول خطأ ارتكبه “داعش” هو حشد قواته وعتاده في منطقة مركزة، مما جعله هدفاً مثالياً لأي قوة عسكرية تقليدية. وكان خطؤه الثاني تبنيه بحماسة لأشكال مروعة من الوحشية والسادية، مما أثار عداء كل من لم ينتم إلى التنظيم تقريباً. وبحلول العام 2016 كان العالم بأسره تقريباً قد توحد ضده. وبالتعاون مع القوات العراقية والكردية والسورية، تمكن تحالف عالمي تم تشكيله لهزيمة “داعش” من استعادة الأراضي التي كان التنظيم قد استولى عليها والقضاء على الخلافة بحلول العام 2019. لكن الضرر كان قد وقع بالفعل بالنسبة لتنظيم “القاعدة”، حيث فقد موطئ قدمه في العراق وانقسمت قاعدة تجنيده مع ظهور تنظيم آخر أكثر شباباً وبريقاً. وكان رد فعل الظواهري هو اعتماد اللامركزية والتركيز على جماعات في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، مثل “تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، اللذين كان هدفهما الأساس السعي إلى الإطاحة بالحكومات المحلية.
وفي تموز (يوليو) 2022، وبعد مرور عام تقريباً على الانسحاب الأميركي من أفغانستان، قُتل الظواهري في غارة شنتها طائرة أميركية مسيرة في كابول. وأكّدت ردود الفعل الفاترة تجاه مقتله ضعف تنظيم “القاعدة” المركزي. واليوم، يبدو أن سيف العدل هو زعيم التنظيم. وهو يقيم في إيران، الدولة ذات الغالبية الشيعية، حيث قضى هو وقادة آخرون في “القاعدة” وأفراد عائلاتهم سنوات امتدت لعقد كامل بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) تحت شكل من أشكال الإقامة الجبرية، وحيث ما تزال قدرته على التحرك والمناورة محدودة للغاية. وهو لم يعلن نفسه زعيماً للتنظيم، ربما خوفاً من الاغتيال، أو لأنه لا يوجد في الواقع أي تنظيم حقيقي ومتماسك ليقوده.
وعلى الرغم من أن التنظيم قد يعيد تشكيل نفسه يوماً ما أو يشن هجمات برعاية إيران أو بدعم منها، إلا أن تنظيم “القاعدة” الذي هاجم الولايات المتحدة قبل 25 عاماً انتهى. وقد أسهمت الولايات المتحدة أحياناً في تسريع زواله -وأبطأته في أحيان أخرى. لكن الحقيقة هي أن تنظيم “القاعدة” فشل في نهاية المطاف.
*أودري كورث كرونين Odrey Kurth Cronin: باحثة وأستاذة أميركية في الأمن الدولي والاستراتيجية، متخصصة في الإرهاب، وطبيعة الحروب، والتكنولوجيا والأمن. تشغل حاليًا منصب أستاذة الأمن والتكنولوجيا ورئيسة “معهد كارنيغي ميلون للاستراتيجية والتكنولوجيا” في جامعة كارنيغي ميلون. جمعت خلال مسيرتها بين العمل الأكاديمي والخدمة الحكومية؛ فعملت خبيرة في شؤون الإرهاب لدى “خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي” في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كما شغلت مواقع في وزارة الدفاع الأميركية وكلية الحرب الوطنية وجامعة أكسفورد والجامعة الأميركية وجامعة جورج ميسون. من أبرز كتبها “كيف ينتهي الإرهاب” How Terrorism Ends (2009)، الذي تبحث فيه أسباب أفول الحملات الإرهابية ونهايتها، و” السلطة للشعب” Power to the People (2020)، عن أثر التكنولوجيا المتاحة تجاريًا في تسليح الفاعلين من غير الدول. الترجمة العربية لصحيفة “الإندبندنت” حيث نشرت في 12 أيلول (سبتمبر) 2026.
