عروبة الإخباري –
الدستور – رنا حداد –
ليس الرمان في الأردن مجرد فاكهة موسمية تظهر مع بدايات الخريف، بل محصول ارتبط بالأرض والماء والمناخ والذاكرة الشعبية، واحتفظ على امتداد سنوات طويلة بمكانته على موائد الأردنيين وفي أسواق المنطقة. فمن وادي الريان والرمان قرب بلدة جديتا في محافظة إربد شمالاً، إلى معان التي عُرفت تاريخياً بزراعة الرمان وتصديره إلى المناطق المجاورة، تتوزع حكاية هذه الثمرة التي اكتسبت سمعتها من مذاقها وقدرتها على التحمل وجودتها التي جعلتها حاضرة خارج حدود الأردن.
وتشير الرواية الزراعية والتراثية إلى أن الرمان الأردني كان يُصدّر في فترات سابقة إلى دمشق، حيث كان التجار والباعة ينادون في الأزقة والشوارع للترويج لمحصولهم بعبارة «معاني يا رمان»، في إشارة إلى ارتباط الرمان بالمنتج المعاني وإلى السمعة التي حظي بها بين المستهلكين.
ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ؛ فقد أسهمت عوامل البيئة والمناخ وطبيعة التربة شبه الجافة، إلى جانب الري بمياه جبلية وجوفية ذات جودة عالية، في توفير ظروف ملائمة لازدهار زراعة الرمان في مناطق أردنية متعددة. وتمنح هذه البيئة الثمار صفات جعلتها محط اهتمام، وفي مقدمتها الحلاوة وطراوة البذور والقدرة على تحمل التخزين لفترات طويلة.
موسم جديد في الكورة.. 4000 طن متوقعة
ومع بدء موسم قطاف الرمان رسمياً في لواء الكورة، تتجه الأنظار مجدداً إلى واحد من أبرز مواسم هذا المحصول في المنطقة، وسط توقعات بأن يتجاوز حجم الإنتاج لهذا الموسم نحو 4000 طن من الثمار ذات الجودة العالية. وتنتشر زراعة الرمان في العديد من مناطق اللواء، خصوصاً على ضفاف الأودية دائمة الجريان، وفي مقدمتها وادي الريان ووادي زقلاب ووادي أبو زياد، إلى جانب المناطق الشفاغورية والمناطق المحيطة ببرقش ومعظم مناطق لواء الكورة.
وتشكل وفرة المياه والمناخ الملائم عاملين أساسيين في ازدهار هذه الزراعة، فيما أسهمت الخبرة المتراكمة لدى المزارعين في التعامل مع أشجار الرمان وتطوير أساليب العناية بها والحفاظ على جودة الثمار.
وتقدّر المساحة الإجمالية المزروعة ببساتين الرمان في لواء الكورة بحوالي 1200 دونم، بحسب الباحث في التراث الزراعي الدكتور أحمد جبر الشريدة، الذي أشار إلى أن موسم القطاف يستمر وينشط في مختلف مناطق اللواء حتى منتصف شهر كانون الأول من كل عام.
ولا يقتصر حضور الرمان في الكورة على وفرة الإنتاج، فالمحصول هناك يحمل أيضاً تنوعاً لافتاً في الأصناف المحلية، من بينها اللفاني، والشرابي، والزقلابي، والحماضي، والحلاوي، والماوردي، إضافة إلى المواني.
ويمنح هذا التنوع المنتج المحلي مساحة واسعة لتلبية احتياجات السوق والمستهلكين، كما يعكس ثراء التجربة الزراعية المتوارثة في المنطقة، حيث لكل صنف خصائصه وحضوره ضمن منظومة إنتاج الرمان التي تشكل جزءاً من هوية الأرض الزراعية في اللواء.
خبرة المزارع.. من التقليم إلى منتجات جديدة
وراء الثمرة التي تصل إلى الأسواق، تقف خبرة زراعية متراكمة تبدأ من التعامل مع الشجرة نفسها. ويشير الدكتور الشريدة إلى أن مزارعي لواء الكورة يمتلكون مهارات وتخصصات دقيقة في رعاية أشجار الرمان، بدءاً من عمليات التقليم والعناية الميدانية، وصولاً إلى استخلاص الثمار وتصنيع مشتقاتها بأساليب تجمع بين الأصالة والجودة.
وهذه الخبرة لا تتوقف عند إنتاج الثمرة وبيعها طازجة، وإنما تمتد إلى الاستفادة من الرمان في صور متعددة، بما يعزز قيمته الاقتصادية ويمنح المزارع والمستهلك خيارات تتجاوز الموسم القصير للفاكهة.
فالرمان الذي يؤكل طازجاً يتحول إلى عصير طبيعي، وإلى دبس رمان يحضّر بالطريقة التقليدية، كما يدخل في صناعة الخل والمربى وزيت بذر الرمان والصابون الطبيعي ومسحوق قشور الرمان وشاي الرمان، وصولاً إلى نوجا الرمان . وتكشف هذه المنتجات عن قدرة الموروث الزراعي على البقاء حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه على إنتاج أشكال جديدة للاستفادة من المحصول، بحيث لا تنتهي رحلة الرمان عند موسم القطاف، بل تستمر في منتجات يمكن استخدامها على مدار العام.
من الفاكهة إلى الدبس.. الرمان على المائدة الأردنية
لطالما تعامل الأردنيون مع الرمان بوصفه أكثر من فاكهة موسمية. فإلى جانب تناوله طازجاً، جرى حفظه والاستفادة منه بطرق مختلفة، وكان دبس الرمان واحداً من أبرز أشكال استدامة حضوره في المطبخ الأردني.
ويضاف الدبس إلى أصناف مختلفة من الأطباق والحلويات، فيما يمنح حفظ الرمان بهذه الطريقة المائدة منتجاً يمكن استخدامه طوال العام، في صورة تعكس العلاقة القديمة بين المزارع والمحصول، وبين الحاجة إلى حفظ الغذاء والاستفادة منه خارج موسمه.
ولذلك ارتبط الرمان أيضاً بالمناسبات والفعاليات الزراعية والتراثية، وتنظم في الأردن عدة مهرجانات سنوية للرمان، لتتحول الثمرة من منتج زراعي إلى مناسبة تجمع المزارعين والمنتجين والمستهلكين، وتستحضر في الوقت نفسه جانباً من الموروث الزراعي المحلي.
شجرة صغيرة.. وثمرة تختزن الكثير
نباتياً، ينتمي الرمان إلى الأشجار الصغيرة أو الشجيرات، وتحمل شجرته أوراقاً بسيطة متقابلة، فيما تظهر أزهارها مفردة أو مجتمعة في نورات محدودة، ويغلب عليها اللون الأحمر.
أما الثمرة فهي لُبية ذات غلاف جلدي سميك، مقسمة إلى حجرات، وتحتوي على البذور التي تحيط بها الطبقة العصيرية التي تمثل الجزء المأكول من الثمرة، فيما يمكن استخراج العصير منها واستخدامه في إعداد الشراب.
وتتسع دائرة الاستفادة من شجرة الرمان لتشمل أجزاء أخرى منها، إذ تستخدم السوق والقشور في الدباغة، كما عرفت قشور الثمار وقلف الشجرة في الاستخدامات التقليدية.
حضور قديم في الطب الشعبي
ولم يكن الرمان بعيداً عن كتب الطب القديمة والوصفات الشعبية المتوارثة، إذ ورد ذكر قشوره واستخداماتها في «تذكرة داوود»، ضمن وصفات اعتمدت على غلي القشور واستخدامها في حالات صحية مختلفة.
كما تشير المادة التراثية إلى احتواء قلف الشجرة وقشرة الثمرة على مركبات من بينها البلترين وحامض التانيك، وإلى استخدامات تقليدية ارتبطت بهذه المواد.
وعُرفت قشور الرمان المجففة كذلك في بعض الوصفات الشعبية، ومن بينها استخدامها في صورة منقوع محلى بالعسل.
وتبقى هذه الاستخدامات جزءاً من التراث الطبي الشعبي، ولا ينبغي التعامل معها بديلاً عن العلاج الطبي الحديث أو التوصيات الطبية المتخصصة.
