Table of Contents
كتبت الدكتورة الإعلامية عبير العربي –
في زمن أصبحت فيه المسؤولية التنفيذية تُقاس أحيانًا بعدد الاجتماعات والتقارير، يأتي مشهد مختلف من الإسماعيلية؛ مشهد لمسؤول اختار أن يترك مساحة البروتوكول، وينزل بنفسه إلى قلب الشارع، يقف بين المواطنين والعارضين، ويسأل عن الأسعار لا من خلف مكتب، وإنما وجهًا لوجه.
هكذا ظهر اللواء أ.ح نبيل السيد حسب الله، محافظ الإسماعيلية، خلال افتتاح معرض «أهلاً مدارس 2026»، الذي تنظمه الغرفة التجارية المصرية بالإسماعيلية بنادي المنتزه بحي ثالث.
لم يكن المشهد مجرد افتتاح رسمي، ولم تنتهِ مهمة المحافظ عند قص شريط المعرض والتقاط الصور التذكارية؛ بل بدأت المهمة الحقيقية بعد الافتتاح.
تجول المحافظ بين الباكات، توقف أمام السلع، سأل عن الأسعار، استمع إلى العارضين والمواطنين، وتابع بنفسه ما سيصل إلى يد الأسرة المصرية من منتجات وأسعار.
وهنا تكمن قيمة المشهد.
فالمسؤول الذي يسأل: «بكام؟» هو في الحقيقة يسأل عن أحوال الناس.
من منصة الافتتاح إلى قلب المعرض
اللافت في جولة محافظ الإسماعيلية أنه لم يتعامل مع المعرض باعتباره مناسبة بروتوكولية، وإنما باعتباره مساحة لاختبار ما إذا كانت التخفيضات المعلنة ستتحول بالفعل إلى فارق يشعر به المواطن.
فالأسرة التي تستعد للعام الدراسي الجديد لا يعنيها كثيرًا أن ترى لافتة مكتوبًا عليها «تخفيضات»، بقدر ما يعنيها أن تستطيع شراء ملابس أبنائها وحقائبهم وأحذيتهم ومستلزماتهم بأسعار مناسبة.
ومن هنا كان نزول المحافظ إلى التفاصيل رسالة في حد ذاتها:
الأسعار يجب أن تُرى وتُراجع وتُناقش على أرض الواقع.
والأهم أن هذه المتابعة لم تقتصر على المستلزمات المدرسية، بل امتدت إلى السلع الغذائية.
حين دخل المحافظ في مفاوضة من أجل المواطن
كان المشهد الأكثر تعبيرًا عن هذه الروح عندما توقف المحافظ أمام أحد الجزارين، وفتح معه حوارًا مباشرًا حول سعر اللحوم.
لم يكن السؤال مجرد استفسار عابر عن السعر، وإنما تحول إلى نقاش حول إمكانية خفضه، وصولًا إلى طرح اللحوم بسعر 250 جنيهًا للكيلو.
قد يرى البعض أن هذا مجرد تفصيل صغير في جولة افتتاح معرض، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أكبر.
فالمحافظ هنا لم يسأل فقط: كم تبلغ نسبة التخفيض؟
بل سأل السؤال الذي يهم المواطن:
كم سيدفع المواطن في النهاية؟
وهذه هي الفلسفة الحقيقية لأي معرض يُقام تحت عنوان خدمة المواطنين.
وطنية المسؤول تبدأ من احتياجات الناس
الوطنية ليست دائمًا كلمات كبيرة وشعارات تُرفع في المناسبات.
أحيانًا تكون الوطنية في مسؤول يقف لساعات يتابع سعر سلعة.
وأحيانًا تكون في محافظ يصر على أن تكون التخفيضات حقيقية، وأن تصل آثارها إلى المواطن.
وأحيانًا تكون في أن يشعر المواطن أن هناك من يسمعه، ويرى شكواه، ويتابع ما يهم أسرته.
ومن هذه الزاوية، فإن مشهد محافظ الإسماعيلية داخل معرض «أهلاً مدارس» يستحق الإشادة؛ لأنه يقدم نموذجًا للمسؤول التنفيذي الذي يرى أن مكتبه الحقيقي هو الشارع، وأن التقارير مهما كانت مهمة لا تغني عن العين التي ترى، والأذن التي تسمع، والمسؤول الذي يتابع بنفسه.
رسالة واضحة.. المواطن أولًا
المعرض، الذي يمتد على مساحة 1200 متر مربع ويضم نحو 50 عارضًا وعارضة، يقدم مجموعة واسعة من احتياجات الأسر، من الملابس والأحذية والحقائب والمستلزمات المدرسية إلى المنتجات الجلدية وماكينات التصوير والأحبار والأثاث المكتبي، إلى جانب السلع الغذائية الأساسية والأجبان والعصائر واللحوم.
لكن قيمة المعرض لا تتوقف عند عدد المشاركين أو مساحة المكان.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما يجد المواطن سعرًا أفضل وجودة مناسبة، ويشعر أن الدولة موجودة إلى جواره.
وهنا تأتي أهمية توجيهات المحافظ باستمرار المتابعة الميدانية طوال فترة إقامة المعرض، للتأكد من الالتزام بنسب التخفيضات وجودة المنتجات.
فالافتتاح يوم واحد، لكن خدمة المواطن مسؤولية كل يوم.
محافظ لا يكتفي بالمشهد.. بل يختبر النتيجة
من السهل أن يفتتح المسؤول مشروعًا أو معرضًا ثم يغادر.
لكن الأصعب أن يبقى في الميدان، ويتوقف أمام كل باكية، ويتحدث مع أصحابها، ويسمع المواطنين، ويسأل عن الأسعار، ويدخل في نقاش مباشر من أجل الوصول إلى سعر أفضل.
وهذا تحديدًا ما يجعل جولة اللواء أ.ح نبيل السيد حسب الله جديرة بالانتباه.
فالمشهد لم يكن مجرد جولة لمحافظ داخل معرض، وإنما كان اختبارًا عمليًا لفكرة أن المسؤولية ليست منصبًا، بل موقفًا.
وأن خدمة المواطن لا تبدأ وتنتهي بالتصريحات، وإنما تظهر في التفاصيل الصغيرة التي تمس حياة الناس.
الإسماعيلية تستحق هذا النوع من المسؤولين
ما حدث في معرض «أهلاً مدارس 2026» يبعث برسالة إيجابية لأهالي الإسماعيلية:
هناك مسؤول يريد أن يعرف بنفسه، ويرى بنفسه، ويتابع بنفسه.
وهذه الروح هي ما تحتاجه الإدارة المحلية في كل موقع؛ مسؤول لا ينتظر أن تصل إليه المشكلة في تقرير، وإنما يذهب إليها حيث توجد.
ولذلك فإن الإشادة بمحافظ الإسماعيلية هنا ليست إشادة بمشهد افتتاح، وإنما إشادة بفكرة أوسع: فكرة المسؤول الذي يضع المواطن في مقدمة حساباته.
فحين يترك المحافظ منصة الافتتاح ويتجه إلى الباكية، وحين يترك مراسم البروتوكول ليتفاوض على سعر كيلو اللحمة، تصبح الرسالة واضحة:
المنصب ليس امتيازًا.. المنصب تكليف.
وفي النهاية، سيبقى الحكم الحقيقي على «أهلاً مدارس 2026» هو المواطن نفسه؛ ماذا اشترى؟ وبأي سعر؟ وهل وجد فارقًا حقيقيًا؟
وإذا استمرت المتابعة بنفس الروح التي بدأ بها المحافظ جولته، فسيكون المعرض قد تجاوز فكرة «فعالية موسمية» إلى نموذج عملي لما يمكن أن تفعله الإدارة المحلية عندما تضع المواطن واحتياجاته في قلب المشهد.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة المسؤول الوطني:
أن يكون حاضرًا عندما يحتاجه الناس، قريبًا منهم عندما يتحدثون، وحاسمًا عندما يتعلق الأمر بحقهم في سلعة جيدة وسعر عادل.
وهذا هو المعنى الأهم الذي حملته جولة محافظ الإسماعيلية.
محافظ ينزل إلى الناس.. يسمعهم.. يسأل عن أسعارهم.. ويتفاوض من أجلهم.
تلك ليست مجرد جولة ميدانية.. بل صورة من صور المسؤولية الوطنية حين تتحول من كلام إلى فعل.
