التساؤل الذي يفرض نفسه في زمن مواجهة خطاب الكراهية والتضليل والانقسام ، هو كيف يكون الإعلام وسيلة للتلاقي ويؤسس لتفاهمات بين المكونات المجتمعية ذات الانتماءات المتعددة ويكون مساحة مشتركة ومنتدى مفتوحا للتفكير معاً ، مع احترام خصوصية وقيم الآخر بالتعارف والتحاور ، للعيش بسلام ، فتكون المنابر الاعلامية خير وسيلة لتبادل الاراء والتفاهم لايجاد مساحة مشتركة آمنة من اجل المصلحة العامة .
ان الاعلامي ليس مجرد ناقل للمعلومة بل له دور كبير في تشكيل الرأي العام وفي تحديد طبيعة العلاقات بين مكونات المجتمع وابراز ضرورة التكامل يين ابناء الوطن الواحد ونبذ لغة التخويف من الاخر بمواجهة خطاب الكراهية ومصطلحاته التحريضية ب ” خطاب التلاقي”الذي يفتح المجال و يؤسس لبناء مساحات للتواصل والتفاعل ، من خلال خطاب جامع ينطلق من البيت والمدرسة والجامعة الى المجتمع ليصنع رموزا جديدة تحوّل البنية المتعددة الانتماءات ، من اداة للصراع الى وسيلة للنمو، يساهم الاعلام فيها من خلال بناء جسور التواصل مع الاخر في خطاب اعلامي جامع وموحد تكون الافكار فيه مفتوحة امام النقد والمراجعة والتصحيح عبر الحوار كما طرحه المفكران ادغار موران ومارتن بوبر كمفهوم يساعد لقبول التعددية في المجتمعات ، ولممارستها بالبحث عن المشترك بدل اختزال الآخر او تغييبه او التخويف منه ، لينطلق عبره “خطاب التلاقي “من اعتبار الآخر شريكا و بالاعتراف بتعقيد الانسان والمجتمع وبذلك لا يسعى هذا الخطاب الى الغاء الاختلاف بل الى تحويله من مصدر للانقسام الى مجال للفهم وبناء المشترك …
إن فكرة التركيز على دور الاعلام في حماية السلم الاهلي ، ورفض التحريض وتعزيز الحوار في المجتمعات التعدّدية ، تطرح مفهوماً جديداً هو “خطاب التلاقي “في مواجهة “خطاب الكراهية “وذلك بتفكيك آليات الانقسام التي تعتبر الاخر خصماً لتظهير الاختلاف كتنوع يتكامل وليس كخلاف يمهد لصراع ، ثم تحديد اسس وشروط الخطاب البديل الذي يعالج تداعيات خطاب الكراهية والانقسام بوعي ومسؤولية اجتماعية ، ما يجعل ” التلاقي ” نتيجة حتمية لمسار اعلامي تحليلي يغوص في جذور الكراهية وتداعياتها ثم يفككها ليفهمها قبل ان يطرح الحلول البديلة ضمن استراتيجية اعلامية ثابتة هادفة لمواجهة الانقسام بقبول الآخر والتعامل معه على أساس انه شريك في الوطن والمصير فلا يكون مفهوم ” خطاب التلاقي ” مجرد شعار نظري لمواجهة ” خطاب الكراهية ” بل يصبح خطة انقاذية قابلة للتطبيق تقوم على : تحديد القواسم المشتركة بالاعتراف بالاختلاف وقبوله ضمن اطار المواطنة الجامعة وتحويل الاعلام الى مساحة لقاء من خلال برامج حوارية هادفة وانشاء حلقات نقاش حول مفاهيم الاختلاف وتكاملها من اجل المصلحة العامة وتحديد مفاهيم المصطلحات الاعلامية المستعملة والدعوة الى الحوار عبر خطاب تلاقي هادف يكون المساحة الآمنة لبناء المجال المشترك من اجل إرساء المواطنة التلاقيّة على اسس متينة
