لا تبدو في الضفة الغربية قضية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة مجرد فصل جديد من فصول العمليات العسكرية، بل تكشف عن مسار أكثر عمقاً وخطورة، تتداخل فيه القوة العسكرية مع تغيير المكان والسكان، بحيث يصبح التهجير ليس مجرد نتيجة للحرب، وإنما عاملاً في صناعة واقع جديد على الأرض.
مما يجعل المشهد أكثر قسوة أن الذين جرى اقتلاعهم من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس هم لاجئون أصلاً، أي أن الفلسطيني الذي حمل ذاكرة الاقتلاع الأول منذ عام 1948 وجد نفسه أمام اقتلاع جديد من المكان الذي أصبح موطناً له لعقود. وهنا تتجسد مفارقة تاريخية مؤلمة: مخيم أُنشئ باعتباره عنواناً مؤقتاً لقضية لجوء لم تجد حلاً، يتحول إلى مكان يُقتلع منه اللاجئ مرة أخرى، فيجد نفسه نازحاً داخل وطنه.
المسألة لا تتوقف عند إخراج السكان من منازلهم. فحين يترافق التهجير مع تدمير المنازل والطرق والبنية التحتية، ثم يستمر منع السكان من العودة، فإن طبيعة الحدث تتغير جذرياً. لم يعد الأمر مجرد إخلاء مؤقت تفرضه ظروف أمنية، بل يصبح المكان نفسه جزءاً من المعادلة. تدمير البيئة التي عاش فيها السكان يجعل العودة أكثر صعوبة، واستمرار غيابهم يسمح بترسيخ واقع جديد، ومع مرور الوقت يتحول ما كان يفترض أن يكون مؤقتاً إلى واقع دائم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الزمن يصبح طرفاً في عملية التغيير. فكل يوم يمر من دون عودة السكان، وكل منزل يبقى مهدماً، وكل بنية تحتية لا يعاد إصلاحها، وكل تغيير جديد يطرأ على الأرض، يجعل استعادة الوضع السابق أكثر تعقيداً. وبذلك لا يعود التهجير مجرد لحظة لها بداية ونهاية، وإنما مساراً مفتوحاً يمكن أن يعيد تشكيل المكان تدريجياً.
ومن هذه الزاوية فإن ما يحدث في مخيمات شمال الضفة لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على جغرافيا الضفة الغربية. فالمعركة ليست فقط حول السيطرة الأمنية على منطقة أو ملاحقة مجموعات مسلحة، وإنما حول طبيعة المكان ومن يستطيع البقاء فيه. وعندما يصبح الوجود الفلسطيني نفسه عرضة للاقتلاع أو المنع من العودة، فإن القضية تنتقل من بعدها الأمني إلى بعدها الديموغرافي والسياسي.
وهذا تحديداً مما يجعل الحديث عن حل الدولتين أكثر تعقيداً. فالدول لا تُبنى فوق الخرائط وحدها، وإنما تحتاج إلى سكان وأرض متصلة وبيئة اقتصادية واجتماعية قابلة للحياة. وكلما جرى تفريغ مناطق فلسطينية من سكانها، أو تدمير تجمعاتها، أو عزلها عن محيطها، أو تغيير واقعها الجغرافي والديموغرافي، تقلصت عملياً المساحة التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل لا يزال حل الدولتين ممكناً سياسياً؟ بل: هل تبقى له قاعدة جغرافية وديموغرافية يمكن البناء عليها؟
فالسياسة تستطيع أن تعلن عن مفاوضات جديدة، والدبلوماسية تستطيع أن تعيد طرح المبادرات، لكن الوقائع التي تُفرض على الأرض قد تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة. وكلما سبق التغيير الميداني المسار السياسي، أصبحت المفاوضات مطالبة بالتعامل مع واقع لم يكن موجوداً عندما بدأت.
الأكثر إثارة للقلق أن المجتمع الدولي لم يعد يواجه مشكلة نقص في المعلومات. ما يجري موثق، والتهجير موثق، والدمار موثق، والوقائع على الأرض مرئية. لكن الفجوة تتسع بين التوثيق والقدرة على المنع. وهنا تتحول القضية من سؤال حول ما إذا كان العالم يعرف إلى سؤال أكثر إحراجاً: ماذا يفعل العالم عندما يعرف؟
فالإدانة مهما كانت قوية لا تعيد بيتاً هُدم، والتقرير مهما كان دقيقاً، لا يعيد إنساناً إلى منزله إذا ظل ممنوعاً من العودة. والتوثيق ضروري لحماية الحقيقة والمساءلة، لكنه يفقد جزءاً من قيمته السياسية إذا لم يتحول إلى إجراءات تمنع تكرار الانتهاك.
ومن الخطأ أيضاً اختزال القضية في المصطلحات وحدها، أو الدخول في معركة حول التوصيف قبل النظر إلى الوقائع. فجوهر المسألة واضح: سكان أُخرجوا من أماكنهم، منازل وبنية تحتية دُمّرت، والعودة أصبحت مقيدة أو ممنوعة، فيما تتواصل عملية إعادة تشكيل الواقع على الأرض. أما تحديد المسؤوليات والتوصيفات القانونية النهائية، فهو شأن المؤسسات القضائية المختصة التي ينبغي أن تعمل على أساس الأدلة والمعايير القانونية.
لكن سياسياً هناك سؤال لا يحتاج إلى انتظار حكم قضائي كي يُطرح: ماذا يحدث عندما يصبح التهجير قابلاً للتكرار، والعودة غير مضمونة، والدمار جزءاً من المشهد، والوقت يعمل لصالح تثبيت الواقع الجديد؟
إن الخطر الأكبر ليس في أن يُهجّر الفلسطيني مرة واحدة، وإنما في أن يصبح التهجير قابلاً للتحول إلى وضع دائم. فحين يُقتلع الإنسان من المكان، ثم يُمنع من العودة، ثم يُعاد تشكيل المكان الذي خرج منه، فإن القضية لا تعود مجرد نزوح سكاني، وإنما تصبح صراعاً على الذاكرة والجغرافيا والحق في الوجود داخل المكان.
ولعل المفارقة الأشد دلالة أن مخيم اللاجئين الذي كان في الأصل رمزاً لقضية العودة، يصبح اليوم مسرحاً لصراع جديد حول الحق في البقاء. ومن هنا فإن ما يجري في شمال الضفة يتجاوز حدود المخيمات الثلاثة، لأنه يطرح سؤالاً على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها: هل يبقى الفلسطيني قادراً على البقاء في أرضه وانتظار حل سياسي عادل، أم يصبح مطالباً في كل مرحلة بإثبات حقه من جديد في المكان الذي يعيش فيه؟
في النهاية لا تكمن خطورة المشهد في التهجير وحده، وإنما في تحويل التهجير إلى أداة لإنتاج واقع جديد. وعندما يصبح اقتلاع السكان متبوعاً بتدمير المكان ومنع العودة، فإن القضية تنتقل من مأساة إنسانية إلى معركة على مستقبل الأرض نفسها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى في صدارة المشهد ليس فقط: إلى أين يذهب المهجّر؟وإنما السؤال الأكثر عمقاً وخطورة: من يضمن أن يبقى له مكان يعود إليه؟
لأن اللحظة التي يصبح فيها الفلسطيني لاجئاً من جديد، ثم يكتشف أن المكان الذي كان ينتظر العودة إليه قد تغيّر أو لم يعد متاحاً، هي اللحظة التي لا يُعاد فيها إنتاج المأساة فحسب، بل يُعاد أيضاً رسم خريطة المستقبل
1
