ليست المشكلة أن الشاشة امتلأت بالوجوه؛ المشكلة أن الوجوه التي تستحق أن تُرى صارت أقلّ من أن تُرى.
في زمنٍ صار فيه الصراخ يُسوَّق على أنه جرأة، والاستعراض يُقدَّم على أنه إعلام، والسطحية تُمنح ساعات من البث وكأنها إنجاز، يصبح الحديث عن إعلامية اختارت أن تحترم عقل المشاهد فعلًا، حديثًا يستحق التوقف.
هنا تأتي باتريسيا سماحة. ليست بوصفها وجهًا تلفزيونيًا آخر يُضاف إلى أرشيف الشاشة، ولا باعتبارها اسمًا يمرّ في نشرة أو برنامج صباحي، بل باعتبارها واحدة من النماذج التي تطرح سؤالًا مزعجًا ومشروعًا في آن:
ماذا لو كان الإعلام لا يزال قادرًا على أن يكون محترمًا؟
على شاشة تلفزيون لبنان، ومن خلال «أحلى صباح»، اختارت سماحة طريقًا لا يبدو اليوم الطريق الأسهل: أن تعطي الأولوية للمحتوى، وأن تجعل من الحوار مساحةً للفكرة، وأن تتعامل مع المشاهد بوصفه عقلًا يستحق الاحترام، لا مجرد رقم في نسب المشاهدة.
وهنا تحديدًا تصبح قصتها أكثر إثارة للاهتمام. لأن الوصول إلى الشاشة ليس هو الإنجاز. الإنجاز الحقيقي هو أن تصل إليها ولا تفقد نفسك. أن تدخل إلى الاستديو من دون أن تتحول إلى نسخة أخرى من المشهد الإعلامي السائد. أن تعرف أن الكاميرا وسيلة وليست غاية. أن تفهم أن الضيف ليس «ترندًا» يجب استهلاكه، وأن السؤال ليس فخًا، وأن المقابلة ليست مباراة في استعراض الذكاء.
هذه تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها في إعلام اليوم أصبحت عملة نادرة. باتريسيا سماحة لا تحتاج إلى الضجيج كي تثبت حضورها
في «أحلى صباح»، تتقاطع موضوعات مختلفة وشخصيات من مجالات متعددة، من الثقافة والمجتمع إلى الصحة والعلوم والزراعة والشأن العام. وهذا التنوع ليس مجرد زينة لبرنامج صباحي؛ إنه محاولة لجعل الشاشة مساحةً تتسع للبنان بكل ما فيه من قصص وأسئلة وتحديات.
وهنا تظهر قيمة الإعلامية التي تعرف كيف تستخرج من الضيف أكثر من عنوان.
فالصحافي الحقيقي لا يبحث دائمًا عن الإجابة التي ستشعل مواقع التواصل.
أحيانًا يبحث عن الإجابة التي ستبقى في ذهن المشاهد بعد أن ينتهي كل شيء.
وهذا هو الفارق بين صناعة الضجة وصناعة الأثر.
وبين الاثنتين، اختارت سماحة الأثر.
لماذا تستحق أن يُكتب عنها كاتبة؟
لأن الكتابة ليست مكافأة.
الكتابة مسؤولية أيضًا.
وحين يُكتب عن شخصية عامة، فإنها لا تقول فقط: «هذه إنسانة ناجحة». بل تقول ضمنًا: «هذه التجربة تستحق أن نتأملها، وأن نضعها أمام الناس».
وباتريسيا سماحة تستحق هذه المساحة لأن تجربتها تفتح بابًا للحديث عن شيء أكبر منها: عن الإعلام الذي نريد أن نراه. إعلام لا يتغذى على الفضائح. لا يحتاج إلى الإساءة كي يحقق المشاهدة. لا يحوّل الوجع الإنساني إلى سلعة. ولا يعتقد أن رفع الصوت دليل على قوة الحضور. الإعلام القوي ليس بالضرورة الإعلام الأكثر صخبًا. أحيانًا يكون الأقوى هو الذي يجعلك تصغي.
وتلفزيون لبنان؟ هنا تصبح المسألة أكبر، فالعمل على شاشة تلفزيون لبنان ليس تفصيلًا عابرًا.
هذه شاشة تحمل ذاكرة أجيال، وتاريخًا طويلًا من الإعلام اللبناني، وتتحرك في مساحة مختلفة عن منطق القنوات التجارية التي تستطيع أن تبني استراتيجياتها بالكامل على منطق السوق.
لذلك فإن الاستمرار في تقديم محتوى صباحي متنوع وهادف على شاشة وطنية، وسط كل ما مرّ به لبنان، ليس أمرًا يمكن اختزاله بكلمة «وظيفة».
إنه اختبار يومي.
اختبار للقدرة على الاستمرار.
وللقدرة على أن تقول للمشاهد، كل صباح تقريبًا:
ما زال هناك ما يستحق أن نسمعه.
ما زالت هناك قصة.
ما زالت هناك شخصية.
ما زالت هناك فكرة.
وما زالت الشاشة قادرة، ولو قليلًا، على أن تمنحنا سببًا آخر لعدم الاستسلام للضجيج السائد.
الإعلامية التي لا تحتاج إلى أن تكون «ترند»
ربما تكون هذه أكثر النقاط التي تستحق الإضاءة.
في زمنٍ أصبح فيه «الترند» معيارًا سريعًا للنجاح، هناك إعلاميون يختارون ألا يجعلوا حياتهم المهنية رهينةً له.
لا حاجة إلى معركة مفتعلة.
ولا إلى تصريح مستفز.
ولا إلى تحويل كل ضيف إلى مادة للجدل.
فالنجاح المهني الحقيقي أكثر هدوءًا من ذلك.
إنه يتراكم حلقة بعد أخرى، واسمًا بعد اسم، وثقةً بعد ثقة.
وهذه الثقة هي التي لا يمكن شراؤها بعنوان مثير ولا بمقطع قصير ينتشر لساعات.
ما الذي تقوله تجربة باتريسيا سماحة؟
تقول إن الرقي الإعلامي ليس ضعفًا.
وإن الهدوء ليس غيابًا.
وإن الحوار المحترم لا يعني حوارًا بلا أسنان.
وإن الصحافة تستطيع أن تكون حازمة من دون أن تكون جارحة، وإنسانية من دون أن تكون ساذجة، وقوية من دون أن تتحول إلى استعراض عضلات.
وتقول أيضًا إن وراء كل صباح تلفزيوني فريقًا من الناس يعملون كي تبدو الساعة التي تصل إلى المشاهد سهلة وعفوية.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات ظلمًا في التلفزيون:
المشاهد يرى السهولة، ولا يرى حجم العمل الذي يقف خلفها.
لهذا لا أكتب عن باتريسيا سماحة كي أمدحها
أكتب عنها لأنني أعتقد أن الإعلام اللبناني يحتاج إلى أن يتذكر نماذجه المهنية.
يحتاج إلى أن يقول إن النجاح ليس دائمًا فضيحة.
وإن الشهرة ليست دائمًا صراخًا.
وإن المرأة الإعلامية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى نسخة مصطنعة من الصورة التي يريدها المشهد الإعلامي كي تثبت أنها موجودة.
يكفي أن تكون قوية في مهنتها.
وأن تعرف ماذا تريد أن تقول.
ولمن تريد أن تقوله.
ولماذا تقوله.
وهذا، في النهاية، هو جوهر العمل الإعلامي.
كلمة أخيرة
قد تمرّ «أحلى صباح» على كثيرين كموعد صباحي عادي.
لكن خلف كل موعد تلفزيوني هناك سنوات من التعب، وقرارات مهنية، وأسئلة، وضيوف، وأيام سهلة وأخرى شديدة القسوة.
وخلف الشاشة امرأة اختارت أن تجعل من حضورها أكثر من صورة.
باتريسيا سماحة لا تحتاج إلى أن نضع لها تاجًا من الكلمات.
ما تحتاجه هو أن ننظر بإنصاف إلى الطريق الذي قطعته، وأن نعطي المهنة حقها في زمنٍ صار فيه كل شيء سريعًا، حتى الأحكام.
فالذين يستحقون الكتابة عنهم ليسوا بالضرورة أولئك الذين يملأون العناوين.
أحيانًا، يستحق الكتابة عنهم أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون أثرًا لا يظهر في عدّاد المشاهدة ولا في صخب مواقع التواصل.
وفي زمنٍ يزداد فيه الضجيج كل يوم، تصبح المحافظة على الكلمة النظيفة، والحوار المحترم، والمحتوى الهادف، فعل مقاومة حقيقيًا.
وربما لهذا تحديدًا تستحق باتريسيا سماحة أن تُكتب عنها مقالة.
ليس لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها اختارت ألا تحتاج إلى رفع صوتها كي تُسمَع.
وفي بلدٍ تعلّمنا فيه الأزمات أن نطفئ أضواء كثيرة، تبقى هناك شخصيات تذكّرنا بأن بعض الضوء لا يأتي من الاستديو أصلًا.
بعض الضوء يأتي من الإنسان نفسه.
