أين نحن اليوم من المشروع الدولي الذي يبدو أنه يفتح المجال أمام المشروع الأصولي الصهيوني للعبث بخرائط المنطقة في مقابل المشروع الإيراني ذي الأبعاد المذهبية والقومية الفارسية.
والذي أثبت في مراحل كثيرة أن مصالحه الإقليمية قد تتقدم على مصالح الشعوب والمجاميع التي ارتبطت به، بما فيها مصالحنا نحن في جنوب لبنان؟ منذ اغتيال قاسم سليماني، مروراً بالأحداث التي سبقت “طوفان الأقصى” وصولاً إلى ما تلاه، بدا واضحاً أن الاستراتيجية الأميركية والدولية تجاه المنطقة بدأت تتغير فبعد مرحلة قامت على توظيف وتسعير ما يسمى بالجبهة اليزيدية – الحسينية، وعلى التعامل مع القوى الصفوية وذيول طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ضمن توازنات إقليمية معينة، انتقلت الأمور تدريجياً إلى محاولة احتواء النفوذ الإيراني وتطويع المشروع المرتبط بولاية الفقيه، خصوصاً بعد أن أسهم هذا المشروع بتدمير وطحن الدول العربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
ومن هنا دخلنا في صراع مفتوح لا يبدو أنه سينتهي بسهولة، وربما يكون أمامه أحد المسارين: إما إعادة تطويع المشروع الصفوي الفارسي وأذرعه الإقليمية ضمن ترتيبات جديدة، وبقيادة أكثر استعداداً للتفاهم مع النظام الإقليمي والدولي الجديد، وإما إضعاف هذا المشروع حتى هزيمته تدريجياً عبر أذرعه في المنطقة العربية.
لكن المأساة بالنسبة إلينا كجنوبيين لبنانيين، الذين يعارضون مشروع ولاية الفقيه، هي أن رفض المشروع الفارسي لا يعني بالنسبة إلينا القبول بمشروع صهيوني يريد اقتلاعنا من أرضنا.
إذا كان المطلوب إنهاء هيمنة حزب الله، فلماذا لم نشهد حتى الآن دعماً جدياً لقوى جنوبية لبنانية وطنية معارضة تستطيع أن تمثل جزءاً من مجتمعها وتحمي وجوده السياسي والاجتماعي في الجنوب؟؟، ولماذا لم يمارس أي ضغط جدي على القوى السياسية القادرة على تحرير قرارها من هيمنة حزب الله، رغم أن الظروف الشعبية والسياسية قد تكون أكثر ملاءمة من أي وقت مضى؟
الأخطر من ذلك هو واقع الجنوب اللبناني نفسه.
لقد دمرت قرى وبلدات بكاملها، وتضررت الطرقات وشبكات المياه والكهرباء والمدارس والمؤسسات وأصبح جزء كبير من أهل جنوب لبنان أمام سؤال وجودي: كيف نعود؟ ومن يضمن لنا العودة؟ وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فإذا كانت الحرب على حزب الله ستؤدي عملياً إلى إضعافه، من دون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى حماية البيئة الجنوبية وتمكين أهلها من البقاء والعودة وإعادة بناء حياتهم، فإن النتيجة قد تكون كارثية على لبنان وعلى جنوبه تحديداً.
نحن نريد الجنوب لأهله، والجنوب جزء من لبنان، ومستقبلنا يجب أن يكون ضمن إطار الدولة اللبنانية، ومن هنا أعتقد أن المخرج الحقيقي، مهما كان صعباً يبدأ من توحد اللبنانيين خلف دولتهم وخلف مشروع وطني واضح.
المطلوب أن توضع كل مقدرات القوى المسلحة، بما فيها قدرات حزب الله في خدمة القرار الوطني اللبناني، وأن يصبح التفاوض لإخراج الاحتلال وتثبيت الحدود ومسألة الأمن حصراً بيد الدولة اللبنانية
والهدف يجب أن يكون واضحاً: تحرير الأرض، ضمان عودة أهل الجنوب إلى قراهم وبلداتهم، وإنهاء الاحتلال وحصر السلاح بالدولة اللبنانية، وإذا أخذنا نتائج المواجهة الأخيرة في لبنان، لا نرى الحل سوى من خلال ترتيبات متبادلة وتدريجية تسحب بموجبها القوات الصهيونية المحتلة بالتزامن مع انتقال السلاح والقدرات العسكرية الموجودة خارج إطار الدولة إلى الجيش اللبناني وبضمانة قوة دولية ذات تفويض واضح من الأمم المتحدة وصولاً إلى إخلاء الأراضي اللبنانية من الاحتلال ومن السلاح غير الشرعي.
قد يبدو هذا الطرح اليوم أشبه بالمعجزة! فنحن نعرف أن أصحاب المصالح والمشاريع المتعارضة داخل دول القرار هم كثر، نعرف أيضاً أن قرار حزب الله يرتبط عضوياً بالاستراتيجية الإيرانية، لا بالقرار اللبناني وحده.
لكن البديل عن محاولة صناعة هذه المعجزة هو أن يبقى أهل الجنوب اللبناني عالقين بين مشاريع الآخرين، ندفع ثمن صراعاتهم من أرضنا وبيوتنا وأولادنا ومستقبلنا….
نحن لا نطالب بحماية الولي الفقيه، ولا نريد أن نسلم “لإسرائيل” نريد حماية الدولة اللبنانية وحماية الجنوب اللبناني وحماية حق أهله في البقاء والعودة والعيش الكريم.
أن معارضة مشروع ولاية الفقيه لا يعني التخلي عن الجنوب اللبناني، كما أن رفض المشروع الصهيوني لا يعني قبولنا بالمشروع الصفوي الفارسي.
ان رفض المشروعين يجعلنا نطرح خياراً ثالثاً يجب البحث فيه والبناء عليه: قد تكون وسائل الضغط الشعبي والسياسي لتنفيذ هذا الخيار ضعيفة، وقد يكون المتآمرون والطامحون الى توظيف مأساتنا لمصالحهم كثراً، لكن اذا كان هناك أمل، فهو أن يدرك اللبنانيون وخصوصا أبناء الجنوب، أن خلاصنا لا يمكن أن يأتي من مشروع خارجي، أياً كان مصدره، وإنما في استعادة الدولة لقرارها ومن توحد اللبنانيين حول مصلحة وطنهم.
نحن بحاجة الى معجزة للبقاء، ولكن المعجزات السياسية تبدأ أحياناً من فكرة راسخة، ومن مجموعة تؤمن بها، ومن شجاعة طرحها في الوقت المناسب…
