في زمنٍ صار فيه الكلام عن لبنان أكثر من الكلام للبنان، جاءت غادة غانم لتعيد للبنان صوته. لم تقف على منبر بعقلين لتلقي كلمة عابرة في احتفال، بل بدت كأنها تستدعي وطنًا كاملًا، وتعيد تقديمه من خلال أبنائه الذين يصنعون حضوره بالكلمة والفن والفكر والإبداع. وحين تكلمت، لم تكن تبحث عن التصفيق، بل عن لبنان؛ لبنان الذي يُكتب قصيدة، ويُرسم لوحة، ويُعزف لحنًا، ويُحمل علمًا، ويُصان موقفًا.
هكذا بدت غادة في تلك اللحظة: إعلامية تحمل في صوتها أكثر من مهنة، وفي كلمتها وطنًا كاملًا.
جاءت كلمتها مرتجلة، لكنها لم تكن عفوية عابرة؛ كانت عفوية مشبعة بالثقافة والوجدان. تحدثت عن وطنٍ أُثقل بالجراح، ثم وضعت في مواجهتها أولئك الذين يرمّمون صورته كل يوم: شاعر يحيي القصيدة، وفنان يجعل الجمال لغة، وموسيقي يمنح اللحن حياة، وباحث يفتح بابًا في المجهول، ومفكر يحمل اسمه إلى العالم، وإعلامي ورياضي يرفع رايته حيث لا تصل السياسة.
بهذا المعنى، لم تكن غادة تمدح المبدعين بقدر ما كانت تعيد تعريف لبنان من خلالهم. فالبلد، في رؤيتها، ليس مساحة جغرافية ولا علمًا ونشيدًا فقط؛ إنه أبناؤه حين يختارون أن يعطوا، وأن يبنوا، وأن يتركوا أثرًا يليق باسمه.
ولعل قوة غادة تكمن هنا تحديدًا: في قدرتها على الجمع بين اللغة والعاطفة من دون استعراض، وبين الوطنية من دون شعارات، وبين الارتجال والعمق من دون أن تفقد الكلمة تماسكها. إنها تتحدث من موقع من يعرف قيمة الكلمة، ويعرف أن الإعلام في أرقى صوره ليس نقلًا للحدث فحسب، بل صناعة للوعي وحماية للمعنى.
لذلك جاءت عبارتها: «أنا الوطن الصغير الكثير بأبنائه»، كأنها تختصر حكاية لبنان كلها. بلد صغير في الجغرافيا، واسع في أثر أبنائه؛ تضيق مساحته، فيوسّعها شاعر بقصيدة، وفنان بلوحة، وعالم باكتشاف، وموسيقي بلحن، وإعلامي برسالة، ورياضي بانتصار.
ثم تأتي عبارتها الأشد وقعًا: «أن تحبّوني قرارًا لا شعارًا، وسلوكًا لا تظاهرًا».
هنا تتجاوز الكلمة المناسبة لتصبح موقفًا. فحب الوطن، كما أرادته غادة، لا يُقاس بما نقوله عنه، بل بما نفعله من أجله. لا بكثرة الشعارات، بل بما نضيفه إليه؛ لا برفع اسمه في الخطب، بل برفعه في العمل والإبداع والمسؤولية.
ومن هنا، فإن الإشادة بغادة ليست مجاملة لإعلامية ألقت كلمة مؤثرة، بل تقدير لنموذج نحتاج إليه: إعلامية تجعل من مهنتها رسالة، ومن اللغة مسؤولية، ومن الثقافة فعلًا وطنيًا.
لقد ذكّرتنا، في بعقلين، بأن لبنان الذي نبحث عنه ليس بعيدًا ولا غائبًا تمامًا. إنه حاضر في أبنائه؛ في كل قصيدة تُكتب، ولوحة تُنجز، ولحن يُعزف، وفكرة تُكتشف، وموقف يُصان، واسم لبناني يُرفع بجدارة في هذا العالم.
ولهذا تستحق غادة غانم أن يُكتب عنها.
فبعض الأشخاص يمرّون في المناسبات، وبعضهم يجعلون المناسبة نفسها أكبر من لحظتها. وغادة كانت من النوع الثاني؛ أخذت الكلمة من حدود الاحتفال، ودفعت بها إلى مساحة أرحب، حيث يصبح الإبداع هوية، والوطن مسؤولية، والكلمة فعل حضور.
ومن على منبر بعقلين، قالت غادة ما يشبه خلاصة المشهد كله:
حين يبدع اللبناني، يكبر لبنان.
