للشهادة في وعينا الديني وذاكرتنا الوطنية معنى خاص، مزدحم بالرموز والدلالات، فالشهيد بطل يحظى دائما باعجابنا وتقديرنا، ولدمائه صورة بهية تبعث في ضمائرنا ما نحتاجه من إلهام، وما نتوسد فيه من دفء، او نرجوه من قيم سامية.
لكن الشهادة وحدها – على سمو قدرها وعظم منزلة اصحابها – ليست الباعث الوحيد لاستذكار رجال دولة مضوا مثل هزاع ووصفي رحمهما الله، الحياة، أيضاً، بكل تفاصيلها، خاصة لرجال تركوا بصماتهم عليها، تشكل، باعثا على الاستذكار والاحتفاء، وربما الاستدعاء.
حياة الرجلين، هزاع ووصفي، بما عرف عنهما من نظافة واستقامة ووطنية وشهامة، وبما مثّلاه من قيم العمل الجاد والمخلص، والتفاني في خدمة الناس والدفاع عن مصلحة البلد، تستحق هي الاخرى ان نتذكرها، ليس باعتبارها وجها اخر «للشهادة» الحقة، ولكن – ايضا – لانها الميدان الذي يختبر فيه الرجال، وتفرز فيه المواقف وتنكشف على سداه معادن الناس، وتتحدد اتجاهاتهم، ومصائرهم ايضا.
66 عاما مضت على رحيل الشهيد هزاع المجالي، وما زلنا نستذكره، ترى لماذا نستذكره؟ ولماذا نحتفي بروحه التي ترفرف فوقنا، ألأننا نشعر بانه واحد منا، حين كان في المعارضة وحين اصبح في السلطة، ألأننا نفتقد نموذجه الملهم، ألأننا باستذكاره ننتصر لمنطق النظافة والاستقامة والنزاهة ونطمئن الى «السياسة» حين تكون «قيمة» تسمو على كل الحسابات الضيقة والمنافع العابرة؟.
عندما يرحل الذين نحبهم نستسلم لارادة الله تعالى، لكننا نشعر «بمرارة» الفقد، او باتساع الفراغ الذي نتصور ان احدا لا يمكن ان يملأه، وهذا – بالطبع – سرّ احساسنا بفداحة الموت ووطأته الثقيلة على مشاعرنا، وافتقادنا لهزاع وبعده وصفي، ولكوكبة اخرى من رموزنا، ما زال ينتصب امامنا مثل «الشاهد» ليذكرنا بهم، ويبعث فينا «ارواحهم» ويشحذ عزائمنا بالامل الذي صنعوه، والقيم التي اسسوا عليها «الدولة»، حين كانوا «فاعلين» في السياسة لا مجرد لاعبين في شعابها المجهولة. او طارئين على تخومها الملغومة.
بعد 66 عاما نتذكر الشهيد هزاع، ونكاد نراه بيننا حياً حاضراً، فالموت – احياناً – وجه آخر للحياة، وفرصة لمواصلة الحديث بلا انقطاع او الاستعانة بمن رحلوا للرد على هواجسنا وتبديد مخاوفنا، ويا لها من مفارقة حين يكون الاحياء بحاجة الى من رحلوا ليدلوهم على طريق الصواب، او يمنحوهم شيئا من الامل ليواصلوا المسير في الطرق الموحشة.
عاش هزاع بين الناس، ومات رحمه الله بين الناس، ولم تكن صورته التي رسمها في ضمير الاردنيين فنالت احترامهم واعجابهم بحاجة لأكثر من اطار يمنحها ما تستحقه من بهاء وخلود، ويريد الله ان يكون الدم هو ذاك الاطار، وان تكون الشهادة هي الخاتمة وان يكون مشهده الاخير مع الناس هو آخر لقطة لحياة كرسها من اجل الناس.. وفي خدمتهم.
رحم الله الشهيد هزاع المجالي ورحمنا أيضاً.
