في زمنٍ صار فيه بعض الإعلام يطارد الضوء أكثر مما يطارد الحقيقة، اختارت نوال الأشقر الطريق الأصعب: أن تكون صحافية قبل أن تكون نجمة، وأن تجعل السؤال أقوى من المجاملة، والموقف أقوى من التصفيق.
في لبنان، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام، وحيث تتحول الأخبار أحيانًا إلى ساحات نفوذ وصراع، ليس سهلًا أن تبني اسمًا مهنيًا وتحافظ عليه. لكن نوال الأشقر لم تصل إلى الشاشة من فراغ؛ سنوات من الصحافة والكتابة والتغطية الميدانية والعمل في غرف الأخبار صنعت إعلامية تعرف أن الكاميرا ليست غاية، بل مسؤولية.
فالشهرة قد تصنع وجهًا… لكن الخبرة تصنع إعلامية.
وتوليها رئاسة تحرير الأخبار في تلفزيون لبنان كان محطة بارزة في مسيرتها. فغرفة الأخبار ليست منصة للظهور، ولا كرسيًا للزينة؛ إنها مسؤولية يومية عن الخبر والعنوان والمعلومة، وعن القرار الذي يحدد ماذا يُقال وكيف يُقال.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
فالمرأة التي تنتقل من أمام الكاميرا إلى قلب غرفة الأخبار لا تدخل فقط إلى موقع مسؤولية، بل إلى مساحة مليئة بالحسابات والضغوط والانتقادات. والأشقر واجهت الجدل كما واجهت المسؤولية، لكنها بقيت في الواجهة، وانتقلت من دور من ينقل الحدث إلى دور من يشارك في صناعته وإدارة الحوار حوله.
لا تبحث عن التصفيق
نوال الأشقر ليست بحاجة إلى أن يحبها الجميع.
الإعلامي الذي يرضي الجميع غالبًا لا يسأل أحدًا، ولا يقترب من الملفات التي تزعج أصحاب النفوذ. أما الصحافي الحقيقي، فوظيفته أن يضع المسؤول أمام السؤال، وأن يترك للمشاهد حق الحكم.
وفي برامجها، ومنها «مساحة آمنة»، لم يكن الحوار مجرد أسئلة محفوظة وإجابات جاهزة. فالصحافة تبدأ فعلًا عندما يصل الإعلامي إلى السؤال الذي لا يرغب المسؤول في سماعه:
لماذا؟ كيف؟ ومن المسؤول؟
هذه ليست استفزازات.
هذه هي الصحافة.
الإعلام الذي لا يزعج أحدًا… ماذا يبقى منه؟
في بلدٍ تتحول فيه السياسة إلى عناوين، والعناوين إلى معارك، يصبح الإعلام الذي يكتفي بالترديد أقرب إلى نشرة علاقات عامة.
أما الإعلام الذي يسأل، ويدقق، ويلاحق التناقض، ويطلب جوابًا واضحًا، فهو الذي يصنع الفارق.
وهنا تكمن قيمة تجربة نوال الأشقر.
قد تتفق معها أو تختلف، قد يعجبك أسلوبها أو لا يعجبك، لكن اختزال مسيرتها في ظهور تلفزيوني أو موقف عابر ظلم لتجربة مهنية تراكمت عبر سنوات من الكتابة والميدان والبرامج والحوار والمسؤولية التحريرية.
الإعلامي يُحاكم على المسار، لا على اللقطة.
امرأة في قلب المهنة
المشهد الإعلامي اللبناني ليس سهلًا على أحد، لكنه يصبح أكثر قسوة عندما تكون الإعلامية صاحبة رأي وحضور وقرار.
فالمرأة قد تكون مقبولة ما دامت تؤدي الدور المتوقع منها، لكن عندما تبدأ بالسؤال بقوة، وإدارة الحوار بثقة، والدخول إلى الملفات الثقيلة، وتولي المسؤولية، تصبح المعايير أكثر قسوة.
وهنا يجب أن يكون السؤال بسيطًا:
هل تعمل جيدًا؟
لا شكلها، ولا حضورها، ولا كونها امرأة.
عملها.
وهذا هو المعيار الذي يجب أن تُقاس به نوال الأشقر، كما يُقاس به أي إعلامي.
لا تحتاج إلى أسطورة
نوال الأشقر لا تحتاج إلى أن نحولها إلى أسطورة كي نقول إنها تستحق التقدير.
يكفي النظر إلى الطريق:
صحافة، كتابة، ميدان، برامج، حوارات سياسية، ثم مسؤولية تحريرية.
هذا هو الرصيد الحقيقي.
فالشهرة قد تكون عابرة، أما الخبرة فتترك أثرًا.
ولهذا تستحق تجربتها أن تُقرأ بعيدًا عن ضجيج السوشيال ميديا، وبعيدًا عن لعبة «من يعرف من».
لأنها اختارت أن تكون في المطبخ الإعلامي، لا أن تكتفي بالوقوف أمامه.
دخلت غرفة الأخبار، وتحملت مسؤولية الكلمة والقرار.
وفي زمن «كلنا منعرف»… اسألي أكثر
ربما هذا هو أكثر ما يحتاجه الإعلام اليوم.
صحافيون لا يتعاملون مع كل شيء على أنه محسوم، ولا يكتفون بما يُلقى أمامهم من إجابات.
صحافيون يسألون:
من قال؟ أين الدليل؟ لماذا؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟
قد يزعج السؤال.
قد يحرج.
وقد يفتح بابًا لا يريد أحد فتحه.
لكن الإعلام الذي يخاف السؤال يتحول إلى صدى، والصحافي الذي يخاف إزعاج أصحاب القرار يفقد أهم ما يملكه: استقلالية الكلمة.
لهذا، فإن الكتابة عن نوال الأشقر ليست مجاملة.
إنها قراءة في تجربة إعلامية اختارت أن تكون في قلب المشهد، لا على هامشه؛ أن تحاور، وتكتب، وتسأل، وتتحمل الجدل، وتدخل إلى مواقع المسؤولية.
قد تختلف معها، لكن لا يمكنك تجاهل مسارها.
وفي زمنٍ يكثر فيه التصفيق ويعلو فيه الصراخ، تبقى قيمة الصحافي في قدرته على أن يقول في اللحظة المناسبة:
لحظة… أريد جوابًا واضحًا.
وهنا تحديدًا تكمن قوة نوال الأشقر.
ليست مجرد إعلامية أمام الكاميرا… بل صحافية تعرف أن أقوى سلاح في الإعلام ليس الصوت العالي، ولا الشهرة، ولا الأضواء… بل السؤال.
