ليست كل إطلالة على الشاشة حدثًا… لكن بعض الإطلالات تجعل الشاشة نفسها تبدو أقلّ من أن تحتويها. وفي زمنٍ صار فيه الحضور سلعة، والجمال متاحًا أمام الجميع، تبقى الكاريزما هي العملة النادرة. وحين تجتمع الكاريزما مع الجمال، والثقة مع الأناقة، والصوت مع الشخصية، لا يعود الظهور مجرّد ظهور… بل يصبح حضورًا يُربك المشهد ويستحق أن يُكتب عنه.
هنا تحديدًا تبدأ حكاية أريج خطّار.
هي ليست وجهًا جميلًا أضافته الشاشة إلى أرشيفها، بل وجهٌ استطاع أن يضيف إلى الشاشة شيئًا من بريقه. ليست مجرد مذيعة تجلس خلف نشرة الأخبار وتقرأ العناوين؛ إنها من تلك الشخصيات التي تجعل المشاهد يرفع عينيه عن تفاصيل الخبر ليتأمل تفاصيل الحضور نفسه.
ليس سهلًا أن تكون مذيعة في لبنان.
بل ربما هو من أصعب الاختبارات الإعلامية. هنا الجمهور يعرف كيف يراقب، وكيف يقارن، وكيف يلتقط التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها أحد. وهنا لا يكفي أن يكون الوجه جميلًا، ولا أن يكون الصوت واضحًا؛ المطلوب أن تمتلك المذيعة شخصية تلفزيونية كاملة تستطيع أن تفرض نفسها من دون افتعال، وأن تحافظ على وقارها من دون جمود، وأن تكون آسرة من دون أن تفقد مهنيتها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو أريج خطّار حالة تستحق التوقف عندها.
فما إن تطلّ على الشاشة حتى تشعر أن ثمة شيئًا مختلفًا يحدث. ليست المسألة في جمال الملامح وحده، على الرغم من أن إطلالتها تملك من السحر ما يكفي لاستقطاب العين منذ اللحظة الأولى. المسألة في ذلك الحضور الذي يسبق الكلام؛ في النظرة الواثقة، في الهدوء، في طريقة الإمساك بالكلمة، وفي قدرة لافتة على أن تكون محطّ الأنظار من دون أن تطلب ذلك.
أريج لا تدخل إلى الشاشة… أريج تحضر فيها.
وهنا الفارق.
فالشاشة لا تصنع الكاريزما، بل تكشفها. والكاميرا لا تمنح الحضور، بل تختبره. وهناك وجوه تبدو جميلة في الصورة، ثم تفقد بريقها أمام العدسة؛ وهناك وجوه تزداد قوة كلما اشتعل الضوء الأحمر وأعلنت الكاميرا بدء البث.
أريج من النوع الثاني.
إطلالتها تحمل ذلك التوازن الصعب بين الأناقة والجاذبية، وبين الرقي والبساطة. جمال لا يحتاج إلى مبالغة، وأنوثة لا تستجدي الانتباه، وأناقة لا تسرق المشهد من الخبر. وهذا بحد ذاته جزء من الاحتراف.
لكن أجمل ما في تجربتها أن الجمال ليس عنوانها الوحيد.
فخلف تلك الإطلالة اللافتة تقف إعلامية تعرف قيمة الكلمة، وتدرك أن مذيعة الأخبار لا تُقاس بعدد العيون التي تتابعها، بل بمدى ثقة المشاهد بما تقدمه. وهذا ما يمنح حضورها بعدًا آخر؛ إذ يصبح الشكل مدخلًا، بينما تكون المهنية هي التي تحسم الانطباع.
في تلفزيون لبنان، حيث الشاشة ليست مجرد شاشة، بل ذاكرة وطنية ومرحلة كاملة من تاريخ الإعلام اللبناني، استطاعت أريج خطّار أن تكون جزءًا من المشهد من دون أن تذوب فيه. حافظت على شخصيتها، وعلى أسلوبها، وعلى حضورها الخاص.
وإذا كان تلفزيون لبنان قد أعطى أريج مساحة لتطلّ، فإن أريج أعطت الشاشة سببًا إضافيًا لأن تُشاهَد.
هذه ليست مجاملة. إنها قراءة في ظاهرة حضور تلفزيوني يصعب تجاهلها.
فأريج تمتلك ما تبحث عنه الكاميرا عادةً: ملامح تُرى، شخصية تُكتشف، صوت يُسمع، وثقة تُقنع.
ولعل سرّها الحقيقي يكمن في أنها لا تحاول أن تكون “الأجمل” بقدر ما تبدو ببساطة الأكثر حضورًا عندما تكون على الشاشة.
وهذا النوع من الحضور لا يُشترى، ولا يُدرّس في معاهد الإعلام، ولا تصنعه الإضاءة أو المكياج أو الملابس. إنه مزيج من الشخصية والثقافة والخبرة والكاريزما، ثم يأتي الجمال ليمنح الصورة اللمسة الأخيرة.
لذلك، حين تُكتب الأسماء التي تركت أثرًا في ذاكرة الشاشة اللبنانية، سيكون من الظلم اختزال أريج خطّار في عبارة “مذيعة جميلة”.
هي أكثر من ذلك بكثير.
هي إعلامية تعرف كيف تجعل من الأناقة لغة، ومن الهدوء قوة، ومن النظرة رسالة، ومن الحضور توقيعًا شخصيًا لا يشبه أحدًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، عندما تظهر أريج خطّار على الشاشة، لا يعود السؤال: من هذه المذيعة؟
بل يصبح السؤال، ببساطة:
كيف يمكن لهذا الحضور أن يمرّ من دون أن يُلاحظ؟
أريج خطّار…
وجهٌ يخطف العين، حضورٌ يأسر الانتباه، ومهنية تمنح هذا السحر سببًا للاستمرار.
وفي زمنٍ كثرت فيه الوجوه، تبقى القيمة الحقيقية في أن يكون لك حضور لا يُشبه أحدًا.
وأريج… لها حضورها الخاص.
