ليست كل التجارب تُقاس بعمرها؛ فبعض المشاريع تحتاج سنوات طويلة لتثبت حضورها، بينما استطاعت «أنوفيا» خلال عام واحد فقط أن تفعل ما يعجز عنه كثيرون في أعوام. وخلف هذا الحضور تقف الدكتورة الإعلامية رُلى السماعين، بعين صحفية تعرف كيف تلتقط القصة، وعقل يؤمن بأن السياحة ليست صوراً ومواقع فحسب، بل رواية وطن وهوية واقتصاد وثقافة ورسالة إلى العالم.
ومن هنا جاءت «أنوفيا» لا كمجلة أخرى تضاف إلى المشهد الإعلامي، وإنما كمشروع إعلامي طموح بدأ بالفعل في إعادة صياغة الطريقة التي يمكن أن يُروى بها الأردن سياحياً، واضعاً نصب عينيه الانتقال من الترويج للمكان إلى صناعة مكانته.
عام واحد فقط كان كافياً لكي تضع «أنوفيا» اسمها في قلب المشهد؛ في المواقع الأثرية والدينية، وبين صناع القرار والمسؤولين والسفراء والخبراء، وفي دوائر السياحة والإعلام، وأن تعبر الحدود لتقرأ تجارب الآخرين وتعود بها إلى النقاش الأردني برؤية أكثر اتساعاً.
وما حققته «أنوفيا» في عامها الأول ليس مجرد حصيلة من التقارير والمقابلات والقصص والصور، بل إنجاز يُسجل لرُلى السماعين وفريقها بمداد من ذهب؛ لأنهم أثبتوا أن الإعلام المتخصص قادر على أن يكون شريكاً في تطوير القطاع، وليس مجرد شاهد على ما يجري فيه.
لقد اختارت «أنوفيا» طريقاً أكثر صعوبة وأعمق أثراً. لم تكتفِ بأن تقول للسائح: «تعالوا إلى الأردن»، بل بدأت تسأل: لماذا سيأتي؟ ماذا سيجد؟ ماذا سيشعر؟ وما القصة التي سيحملها معه عندما يعود؟
وهنا تكمن قوة التجربة.
ففي عالم تتنافس فيه آلاف الوجهات على انتباه المسافر، لم تعد الصورة الجميلة وحدها كافية. المكان يحتاج إلى قصة، والقصة تحتاج إلى هوية، والهوية تحتاج إلى إعلام يعرف كيف يحول التاريخ إلى تجربة، والموقع إلى ذاكرة، والمنتج السياحي إلى قيمة اقتصادية وإنسانية.
وهذا تحديداً ما بدأت «أنوفيا» في ترسيخه.
لقد ذهبت المجلة إلى المواقع الأثرية والدينية، وفتحت ملفات السياحة الثقافية والبيئية والاستشفائية والضيافة، ونقلت قضايا القطاع إلى طاولة أصحاب القرار، والتقت الوزراء والمسؤولين والخبراء والدبلوماسيين، لتناقش السياحة باعتبارها اقتصاداً واستثماراً وتنمية ودبلوماسية ثقافية.
وهذا الدور لا يأتي من فراغ، بل يعكس فلسفة تؤمن بها رُلى السماعين منذ اليوم الأول: أن الإعلام المتخصص لا ينبغي أن ينتظر القصة حتى تكتمل، بل عليه أن يكتشف الفرصة قبل غيره، وأن يطرح السؤال الذي لم يُطرح، وأن يسلط الضوء على المكان الذي لم يأخذ حقه، وأن يربط بين الأفكار والقطاعات والفرص.
ولعل الأهم أن «أنوفيا» لم تقع في فخ المشاهدات والأرقام باعتبارها غاية بحد ذاتها. فقد اختارت أن تسأل عن الأثر الحقيقي: هل يصل المحتوى إلى المجتمع المحلي؟ هل يفتح نافذة لفرصة اقتصادية؟ هل يساهم في تغيير الصورة؟ وهل يجعل المكان أكثر حضوراً في ذهن الزائر وصانع القرار؟
هذه النظرة هي التي تمنح التجربة قيمتها.
كما أن عبور «أنوفيا» إلى وجهات خارج الأردن، ومنها قبرص، لم يكن خروجاً عن هويتها أو تحولاً إلى مجلة سفر عامة، بل كان امتداداً لرؤية تقوم على التعلم والمقارنة وقراءة التجارب الدولية والاستفادة منها في تطوير الحوار حول السياحة الأردنية.
وفي كل ذلك، تظهر بصمة رُلى السماعين بوضوح.
رُلى لم تؤسس مجلة فقط؛ أسست فكرة.
وفريق «أنوفيا» لم يعمل على إصدار محتوى فقط؛ بل عمل على بناء مشروع إعلامي متخصص له شخصية ورسالة وطموح.
وهنا يصبح الاحتفاء بالعام الأول احتفاءً بفكرة نجحت في أن تجد طريقها إلى المشهد، وبفريق استطاع أن يحول الطموح إلى عمل، والعمل إلى حضور، والحضور إلى تأثير بدأ يلفت الأنظار.
إن ما تحقق خلال عام واحد يستحق الإشادة، ويستحق أن يقال بصراحة: هذا إنجاز يُحسب لرُلى السماعين وفريق «أنوفيا» بمداد من ذهب.
ففي زمن كثرت فيه المنصات وتداخلت فيه الرسائل، استطاعت «أنوفيا» أن تقول بوضوح: نحن نعرف ماذا نريد أن نكون، ونعرف لماذا وُجدنا، ونعرف أن الأردن يستحق رواية سياحية أكبر من مجرد منشور ترويجي أو صورة عابرة.
إنها رواية تربط المكان بالإنسان، والتاريخ بالحاضر، والسياحة بالاقتصاد، والثقافة بالدبلوماسية، والاستدامة بالمستقبل.
ومع دخول «أنوفيا» عامها الثاني، تبدو المساحة أمامها أوسع، والطموح أكبر، والفرص أكثر، خصوصاً مع ما يمكن أن يحمله العقد المقبل من آفاق للسياحة الدينية والثقافية والبيئية والاستشفائية في الأردن.
ولذلك، فإن العام الأول لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره محطة وصول، بل باعتباره إعلان انطلاق.
لقد أثبتت رُلى السماعين أن الفكرة عندما تقودها رؤية، ويحتضنها فريق مؤمن بها، يمكن أن تتحول خلال عام واحد إلى علامة لها حضورها ورسالتها.
رُلى وأنوفيا… اسم بدأ من فكرة، وتحول خلال عام إلى حضور، والحضور مرشح لأن يتحول إلى تأثير أكبر في صناعة الرواية السياحية الأردنية.
فكل التحية والتقدير لرُلى السماعين، ولكل فرد في فريق «أنوفيا».
عام أول يستحق أن يُكتب بمداد من ذهب… والقادم، بإذن الله، أجمل وأقوى وأبعد.
