عرفتُ وكالة الأنباء القطرية «قنا» منذ سنوات طويلة، وقبل أن تغيّر الإنترنت والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي شكل الإعلام العربي. عرفتها من خلال عملي في جريدة صوت الشعب الأردنية، وفي تلك المرحلة كان اسم «قنا» يحظى بوزن مهني واضح، وكانت أخبارها تحظى باهتمام الصحفيين ووسائل الإعلام، لما تميزت به من جودة الخبر ودقة المعلومة وسرعة المتابعة.
وأذكر أن الأستاذ محمد أبو غوش كان حينها مراسل «قنا» في الأردن، وكانت الوكالة بحق واحدة من أقوى وكالات الأنباء العربية وأكثرها حضوراً ومصداقية في نظر العاملين في الصحافة والإعلام.
ولأنني عملت في قسم الرصد الإخباري، فقد كانت علاقتي بأخبار الوكالة أكثر قرباً؛ إذ كان من مهامنا متابعة ما تبثه وكالات الأنباء، وكانت أخبار «قنا» من المواد التي نحرص على متابعتها، وكنا نتمكن في أحيان كثيرة من مطالعة الأخبار قبل أن تظهر على شاشة التلفزيون أو تصل إلى أثير الإذاعة.
كانت تلك المرحلة مختلفة تماماً عن عالم اليوم. لم تكن الأخبار تصل بضغطة زر إلى هاتف كل مواطن، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة بهذا الزخم، ولذلك كانت وكالات الأنباء تمثل شرياناً أساسياً للمعلومة، وكانت قيمة الخبر ترتبط إلى حد كبير بسرعة وصوله ودقته ومصدره.
وفي هذا المشهد، كانت «قنا» تمتلك حضوراً لافتاً. فقد كانت تعرف كيف تصنع الخبر النوعي، وكيف تلتقط التفاصيل المهمة، وكيف تقدم المادة الصحفية بلغة مهنية واضحة، ولذلك كان خبرها يجد طريقه سريعاً إلى الصحف والإذاعات والتلفزيونات.
لكن اللافت حقاً ليس فقط ما كانت عليه «قنا» في ذلك الزمن، وإنما ما أصبحت عليه اليوم.
ففي الوقت الذي أطاحت فيه الثورة الرقمية بكثير من المؤسسات الإعلامية التقليدية، وفرضت قواعد جديدة على صناعة الأخبار، لم تتراجع «قنا» أمام هذا التحول، بل فعلت العكس تماماً: تقدمت، وتطورت، وحدثت أدواتها، ووسعت حضورها، وأثبتت أن المؤسسة الإعلامية التي تعرف قيمة مهنتها تستطيع أن تعبر من عصر الورق إلى عصر الذكاء الرقمي دون أن تفقد بريقها.
وهنا تبرز أهمية الرعاية والاهتمام الكبيرين اللذين تحظى بهما الوكالة من لدن القيادة القطرية. فالتطور الذي شهدته «قنا» لم يكن وليد المصادفة، وإنما جاء في بيئة أدركت مبكراً أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح جزءاً أساسياً من قوة الدولة وحضورها وتأثيرها وصورتها أمام العالم.
إن الاستثمار في الإعلام هو استثمار في الحضور الوطني، ودعم المؤسسات الإعلامية المهنية هو بناء لقدرة الدولة على التواصل مع جمهورها والعالم. ومن هذه الزاوية، فإن ما حظيت به «قنا» من رعاية ودعم انعكس بوضوح على تطورها وقدرتها على مواكبة العصر.
والوفاء يقتضي أن نوجه كل التقدير إلى المديرين الذين تعاقبوا على قيادة وكالة الأنباء القطرية؛ أولئك الذين تحملوا مسؤولية إدارة مؤسسة إعلامية تعمل في قلب الأحداث، وكل واحد منهم أسهم في مرحلة من مراحل البناء والتطوير، وصولاً إلى الصورة التي وصلت إليها الوكالة اليوم.
كما أن كل كلمات التقدير لا تفي العاملين في «قنا» حقهم؛ من الصحفيين والمحررين والمراسلين والمصورين والمخرجين والفنيين والإداريين، وكل الجنود المجهولين الذين يعملون خلف الخبر وأمام الكاميرا وخلف الشاشات.
فهؤلاء هم الذين يحولون الدعم والرؤية إلى عمل، والطموح إلى إنجاز، والمؤسسة إلى حضور مؤثر.
وأنا، كصحفي عايش مرحلة كانت فيها أخبار الوكالات تصل إلى أقسام الرصد قبل أن تصل إلى شاشات التلفزيون وأثير الإذاعة، أشعر أن في مسيرة «قنا» شيئاً يستحق التوقف عنده.
لقد تغير كل شيء تقريباً: الورق تراجع، والبرقية اختفت، والإذاعة والتلفزيون لم يعودا المصدر الوحيد للخبر، والهاتف أصبح وكالة أنباء في يد كل إنسان… لكن «قنا» بقيت.
وهذه في حد ذاتها شهادة نجاح.
فليس الإنجاز أن تنجح المؤسسة في زمنها فقط، وإنما أن تظل قادرة على النجاح عندما يتغير الزمن.
تحية اعتزاز لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، وتحية تقدير للرعاية التي تحظى بها من القيادة القطرية، وكل الاحترام للمديرين الذين تعاقبوا على قيادتها، ولكل صحفي ومراسل ومصور وفني وإداري يعمل فيها.
قنا التي عرفناها بالأمس وهي تصنع الخبر، نراها اليوم وهي تصنع حضوراً إعلامياً يليق بقطر… وتلك هي قيمة المؤسسة التي تعرف كيف تحترم تاريخها، وتواكب حاضرها، وتصنع مستقبلها.
