في العمل المؤسسي، لا يفترض أن يكون اللقب زينة تضاف إلى الاسم، ولا وسيلة لإضفاء مكانة مهنية لا تسندها المعرفة والتجربة. فالصفة الوظيفية، في معناها الحقيقي، هي اختصار لمسؤولية وكفاءة وخبرة ومسار مهني يمكن التحقق منه.
لكننا نشهد أحيانًا ظاهرة مختلفة: تضخم الألقاب المهنية، أو ما يعرف بـ Title Inflation، حيث تصبح فخامة الصفة أكبر من الحجم المهني الحقيقي لصاحبها.
قد نجد، على سبيل المثال، من يحمل صفة «خبير في التربية والتعليم»، بينما تجربته الفعلية لا تتجاوز إدارة بعض الأنشطة أو العمل لسنوات محدودة ضمن مشروع تعليمي. وقد نجد «مستشارًا استراتيجيًا» لم يشارك فعليًا في بناء استراتيجية مؤسسية، أو «خبير حماية» لم تتجاوز خبرته تنفيذ أنشطة مرتبطة بالحماية، أو مديرًا يحمل لقبًا كبيرًا بينما نطاق مسؤولياته وصلاحياته الفعلية محدود للغاية.
المشكلة هنا ليست في الأشخاص، ولا في التقليل من قيمة خبراتهم. فكل تجربة مهنية تستحق الاحترام. المشكلة تبدأ عندما لا يعود اللقب وصفًا للخبرة، بل يصبح بديلًا عنها.
هناك فرق بين أن تعمل في مجال التربية وأن تكون خبيرًا تربويًا. وبين أن تدير مشروعًا وأن تكون خبيرًا في إدارة البرامج. وبين أن تشارك في إعداد سياسة وأن تصبح مستشارًا في السياسات.
فالخبير لا تصنعه بطاقة العمل ولا التوقيع الإلكتروني.
الخبرة تراكم معرفي ومهني. هي سنوات من الممارسة، وفهم عميق للمجال، وقدرة على التحليل، وإنتاج المعرفة، وتطوير الحلول، وقراءة السياسات، والتعامل مع المشكلات المعقدة، إضافة إلى سجل مهني يسمح للآخرين بالرجوع إلى الشخص باعتباره مرجعية في تخصصه.
وهنا يتحول تضخم الألقاب من مسألة لغوية بسيطة إلى قضية مؤسساتية.
فعندما تمنح المؤسسة ألقابًا أكبر من الكفاءات التي تقف خلفها، فإنها لا ترفع قيمة موظفيها بقدر ما تخاطر بتخفيض قيمة معاييرها المهنية. وقد يجد صاحب اللقب نفسه مشاركًا في قرارات أو نقاشات فنية تتجاوز خبرته، ليس لأنه الأكثر معرفة، بل لأن صفته الوظيفية منحته سلطة ضمنية.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحًا في قطاع العمل الإنساني والتنموي، حيث تحمل بعض الألقاب وزنًا كبيرًا أمام المانحين والشركاء والمؤسسات المحلية والمجتمعات. فكلمات مثل Expert وSenior Advisor وSpecialist وDirector وHead of… ليست مجرد مسميا , إنها ترسل رسالة بأن حاملها يمتلك مستوى معينًا من المعرفة والخبرة والمسؤولية.
وحين لا يكون ذلك صحيحًا، تنشأ فجوة بين الصفة والقدرة.
الأكثر إشكالية أن هذه الفجوة قد تتحول مع الوقت إلى ثقافة مؤسساتية. يبدأ الشخص في التعامل مع اللقب باعتباره مصدرًا للسلطة، وتبدأ المؤسسة في التعامل مع الصفة باعتبارها دليلًا على الكفاءة، ويصبح السؤال عن الخبرة الفعلية وكأنه تشكيك في الشخص نفسه.
وهنا يحدث الخلط الأخطر بين احترام الإنسان واحترام الاختصاص.
من حق كل موظف أن يحظى بالاحترام، مهما كان موقعه الوظيفي. لكن الاحترام لا يعني أن ننسب إلى شخص خبرة لم يكتسبها بعد، كما أن الاعتراف بحدود الخبرة ليس انتقاصًا من أحد. بل إن المؤسسات الناضجة هي التي تستطيع التمييز بين الموظف الجيد، والمتخصص، والخبير، والمستشار، وصانع السياسات، والقيادي المؤسسي.
وفي المقابل، فإن الخبير الحقيقي غالبًا لا يحتاج إلى المبالغة في تقديم نفسه. فمساره المهني، ومعرفته، وقدرته على الإجابة عندما تصبح الأسئلة صعبة، وما أنتجه من معرفة أو حلول أو أثر، هي التي تمنح صفته معناها.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه المؤسسات قبل منح الألقاب ليس: كيف نريد أن يبدو هذا المنصب؟
بل ما المعرفة والخبرة والمسؤولية التي يتطلبها هذا اللقب، وهل يمتلكها الشخص الذي سيحمله؟
المأسسة الحقيقية تبدأ عندما تصبح المسميات الوظيفية انعكاسًا دقيقًا للواقع المهني، لا محاولة لتجميله.
فالمؤسسات لا تكبر بفخامة ألقاب العاملين فيها، وإنما بكفاءتهم، وبوضوح مسؤولياتهم، وبقدرتهم على حمل ما تعنيه تلك الألقاب من مسؤولية.
وحين يصبح اللقب أكبر من صاحبه، لا يصبح صاحبه أكبر، بل يصبح اللقب أصغر.
