في ذكرى مولد سيد الخلق وخاتم الأنبياء، محمد صلى الله عليه وسلم، لا نستعيد سيرة رجلٍ عظيم فحسب، بل نستعيد رسالةً قامت على الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية، وعلى احترام الإنسان وصون المقدسات وإعلاء قيمة الحق في مواجهة الظلم والاستبداد.
يأتي المولد النبوي الشريف هذا العام في وقتٍ تبدو فيه الأمة أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد، حيث أصبحت بعض المواقف والسياسات تُلقي بظلالها الثقيلة على صورة الإسلام، وتضع المقدسات الإسلامية في قلب صراعات سياسية تتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى المساس بالمشاعر الدينية والهوية الحضارية لمئات الملايين من المسلمين.
إن المشكلة ليست في السياسة بحد ذاتها، فالسياسة يمكن أن تكون أداةً لحماية الحقوق وصون الكرامة وتحقيق السلام، وإنما في الاستغلال السياسي للدين والمقدسات، وفي تحويل القضايا المقدسة إلى أوراق للمساومة أو أدوات للصراع.
وحين يُساء إلى المقدسات الإسلامية، فإن الإساءة لا تطال حجراً أو مكاناً فحسب؛ بل تمس ذاكرة أمة، وتاريخاً ممتداً، وعقيدةً وموروثاً حضارياً وإنسانياً عميقاً.
وفي مقدمة هذه المقدسات تأتي القدس والمسجد الأقصى، بما يحمله من مكانة راسخة في وجدان المسلمين، وما يمثله من رمز ديني وتاريخي وحضاري لا يجوز أن يصبح رهينة للحسابات السياسية أو الصراعات الآنية.
لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم برسالةٍ لا تعرف إهانة المقدسات ولا ازدراء الآخر، بل رسّخ معنى العدل والرحمة والوفاء بالعهد، وأكد أن قوة الرسالة لا تكون بالعدوان، وإنما بالحق والأخلاق وحماية الإنسان.
ومن هنا، فإن استحضار السيرة النبوية في زمننا ليس مناسبة احتفالية عابرة، ولا كلمات تُقال ثم تنتهي، بل هو سؤال حقيقي أمام واقعنا: ماذا بقي من قيم الرحمة والعدل والكرامة في عالمٍ تتسع فيه مساحة السياسة على حساب الإنسان والمقدسات؟
إن الدفاع عن المقدسات لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب كراهية، كما أن رفض الاعتداء على المقدسات لا يعني رفض الآخر أو التحريض عليه. فالوعي الحقيقي هو أن نحمي مقدساتنا بالقانون، والدبلوماسية، والمعرفة، والعمل السياسي الرشيد، وبخطاب أخلاقي قادر على مخاطبة العالم بلغة الحق والعدالة.
وفي ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، نحن بحاجة إلى استعادة جوهر الرسالة المحمدية: الرحمة دون ضعف، والعدل دون انتقائية، والقوة دون ظلم، والكرامة دون تعصب.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، ولذلك فإن الاحتفاء بمولده ينبغي أن يكون احتفاءً بالقيم التي جاء بها، لا بمجرد المظاهر؛ وأن يكون مناسبةً لتجديد التزامنا بالدفاع عن الحق، وحماية المقدسات، واحترام الإنسان، ورفض تسييس الدين بطريقة تسيء إليه أو تستخدمه لتحقيق مكاسب سياسية.
وفي زمنٍ تتعرض فيه صورة الإسلام لمحاولات التشويه والاستغلال من اتجاهات مختلفة، فإن مسؤوليتنا أكبر من مجرد الدفاع بالكلمات. مسؤوليتنا أن نقدم نموذجاً حضارياً للإسلام الذي يحترم الإنسان، ويصون المقدسات، ويؤمن بالعدل، ويرفض الظلم أياً كان مصدره.
في ذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم، فلنجعل من سيرته نوراً في خطابنا، ومن أخلاقه ميزاناً في مواقفنا، ومن رحمته طريقاً إلى السلام، ومن عدله أساساً للدفاع عن مقدساتنا وحقوقنا.
كل عام والأمة الإسلامية بخير، وكل عام والقدس والمسجد الأقصى حاضران في ضمير الأمة، لا كشعار سياسي عابر، بل كجزء أصيل من تاريخها وهويتها وذاكرتها الدينية .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
