جاءت هذه الليلة تحمل في طيّاتها عبقاً من أزكى الذكريات، وتعيد إلى القلوب نوراً أشرق من “مكة” قبل أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام، وما زال ضياؤه ممتداً في أرجاء الدنيا حتى يومنا هذا.
في مثل هذه الذكرى العطرة، أشرقت الأرض بمولد خير البرية، وخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان مولده بشارة رحمة، ومطلع نور، وبداية رسالة أخرجت الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والهداية.
يا ذكرى المولد النبوي الشريف، لستِ تاريخاً نقرؤه في الكتب فحسب، بل سيرةً تسكن الوجدان، ونوراً تهتدي به القلوب، ومحبّةً تتجدد كلما ذُكر حتى اسم محمد.
جاء رسول الله إلى أمةٍ فرّقتها العصبيات، أثقلتها الجاهلية، فجمع القلوب على كلمة التوحيد، أقام ميزان العدل وأعلى شأن الإنسان، وجعل مكارم الأخلاق أساساً للحياة، فكان كما وصفه رب العالمين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
ما أجمل أن تكون ذكرى مولده مناسبةً لا نستحضر فيها سيرته فحسب، بل نستحضر أخلاقه في حياتنا؛ فنصدق إذا تحدّثنا، نرحم إذا قدرنا، نعفو عند المقدرة، نكرم من حولنا، نحسن إلى الضعيف، نصبر على الشدائد، ونزرع في قلوب الناس من الرحمة والمحبة ما يجعلنا أقرب إلى هديه وسنته.
في ذكرى مولده الشريف، نجدد العهد بأن تبقى سيرته العطرة منهجًا نهتدي به، وسنته نوراً في حياتنا، وأخلاقه ميزاناً لسلوكنا، وأن تبقى الصلاة والسلام عليه زاداً للقلوب وطمأنينةً للنفوس.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، اللهم اجعلنا من أهل محبته، ومن السائرين على هديه، والمقتدين بأخلاقه، وارزقنا شفاعته، احشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبداً.
كل عام وقلوبكم عامرة بمحبة رسول الله، وأيامكم مكللة بالخير والبركة، ونفوسكم مستضيئةً بنور سيرته العطرة، صلّى الله على محمد، ما أشرقت شمس، وما تعاقب ليلٌ ونهار
