لماذا أكتب عن رانية مرعي؟
لأن بعض الشخصيات لا تمرّ أمامك مرورًا عابرًا؛ تترك في الذاكرة شيئًا من حضورها، وفي العين شيئًا من صورتها، وفي الروح صدى من كلامها.
وأكتب عنها لأن فيها ذلك التآلف النادر بين امرأةٍ شرقية الملامح، وشاعرةٍ شرقية الروح، وإنسانةٍ تعرف كيف تجعل من حضورها لغة أخرى لا تقل جمالًا عن لغة قصائدها.
لها إطلالة آسرة، وفي ملامحها سحر الجمال الشرقي الأصيل؛ جمال هادئ وواثق، لا يحتاج إلى مبالغة كي يفرض حضوره. جمال فيه دفء الشرق ووقاره، وفيه أنوثة لا تصرخ كي تُرى، بل يكفي أن تحضر حتى تترك أثرها.
غير أنني لا أكتب عن رانية مرعي لأن الجمال وحده يصنع حكاية.
فالجمال قد يلفت العين، لكن ما يبقى في الذاكرة هو الحضور، وما يبقى في الروح هو الكلمة.
وهنا تبدأ حكاية رانية الحقيقية.
فوراء تلك الإطلالة امرأة تحمل قلمًا يعرف كيف يحوّل الإحساس إلى صورة، والوجع إلى قصيدة، والحب إلى موقف، والأنوثة إلى قوة ناعمة لا تستأذن أحدًا كي تكون حاضرة.
رانية مرعي ليست شاعرة تكتب القصيدة ثم تمضي؛ إنها من أولئك الذين تترك القصيدة في أرواحهم أثرًا، ثم تخرج من بين أصابعهم محمّلة بوهج التجربة، ورائحة الياسمين، وارتجاف القلب، وتمرّد الروح.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات حتى كادت اللغة تفقد دهشتها، تأتي رانية مرعي لتقول إن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون حياةً وموقفًا واحتجاجًا وجمالًا في آن.
لا تكتب لتملأ البياض، بل لتوقظ ما نام فينا من إحساس، ولتضع الإصبع على الجرح دون أن تفقد الجرح أناقته.
رانية مرعي ابنة الكلمة التي لا تعرف الوقوف في منتصف الطريق. في تجربتها، الحب ليس زينة لغوية، ولا وردة معلّقة على جدار القصيدة؛ الحب عندها قوة، وتمرد، وخلاص، وأحيانًا معركة يخوضها الإنسان دفاعًا عن حقه في أن يكون نفسه.
ولهذا تبدو قصيدتها امرأة تعرف جيدًا ماذا تريد:
أن تحب بلا خوف،
أن تقول بلا قناع،
أن تحلم بلا إذن،
وأن ترفض أن تتحول الحياة إلى نسخة باهتة من حياة الآخرين.
وإذا كان الياسمين حاضرًا في عناوينها وصورها، فإنه ليس مجرد عطر شعري. الياسمين عند رانية مرعي يشبهها: رقيق في مظهره، شديد في حضوره، قادر على أن يملأ المكان من دون أن يرفع صوته.
غير أن خلف هذه الرقة نارًا لا تخطئها العين؛ نار امرأة تعرف أن الجمال الحقيقي ليس استسلامًا، وأن الرقة لا تعني الضعف، وأن القصيدة تستطيع أن تكون ناعمة كالحرير وحادة كالسيف.
في «خطًى من ياسمين» لا نمشي خلف الشاعرة في طريق من الزهور فحسب؛ بل ندخل إلى مساحة تتجاور فيها الذاكرة والعاطفة والحنين.
وفي «بلا عنوان» تتسع الأسئلة أكثر، كأن الشاعرة ترفض أن تحاصر الإنسان داخل تعريف واحد أو عنوان نهائي. فالإنسان، في رؤيتها، مشروع سؤال مفتوح؛ وكلما ظن أنه وصل إلى نفسه اكتشف أن في داخله جهة أخرى لم تُكتشف بعد.
أما «ذكرياتي مع فيروز» فيكشف جانبًا آخر من علاقتها بالذاكرة والجمال. هنا لا تكون فيروز مجرد صوت عظيم، بل تصبح جزءًا من السيرة الشخصية، جسرًا بين الأغنية والذاكرة، وبين الخاص والعام.
وكأن رانية مرعي تقول لنا إن بعض الأصوات لا نسمعها فقط؛ بل نسكنها وتسكننا.
ثم تأتي «ترانيم روحية» لتأخذ التجربة إلى منطقة أكثر عمقًا؛ حيث تتشابك الروح مع الجسد، والحب مع الحرية، والمرأة مع سؤال وجودها.
إنها كتابة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحاول أن تحوّله إلى قوة، ولا تكتفي برصد الواقع، بل تحلم بواقع أكثر عدلًا وإنسانية.
ولعل أجمل ما في تجربة رانية مرعي أنها لا تتعامل مع الشعر بوصفه برجًا عاجيًا. إنها شاعرة تعرف الشارع والناس والوجع والمرأة والوطن، لكنها حين تدخل إلى القصيدة لا تحمل معها ضجيج العالم فقط، بل تحمل أيضًا قدرة اللغة على تحويل هذا الضجيج إلى موسيقى.
إنها تكتب من المنطقة التي يصبح فيها القلم موقفًا.
وهنا تحديدًا تكمن قوتها.
فالشاعر الحقيقي ليس من يملك قاموسًا واسعًا، بل من يستطيع أن يجعل الكلمة الواحدة تفتح نافذة في جدار مغلق. وليس من يكثر الاستعارات، بل من يجعل الصورة الشعرية تحمل شيئًا من دمه.
وليس من يكتب عن الحب كثيرًا، بل من يجعل القارئ يخرج من القصيدة وهو يشعر أن قلبه قد تعرّف إلى نفسه من جديد.
ورانية مرعي تفعل ذلك حين تضع الحب في مواجهة القسوة، والمرأة في مواجهة التهميش، والجمال في مواجهة القبح، والحرية في مواجهة الخوف.
لذلك لا أراها مجرد حضور شعري نسائي لبناني، بل أرى صوتًا له خصوصيته ونبرته ومشروعه؛ صوتًا يحاول أن يحمي القصيدة من التحول إلى لعبة لغوية، وأن يعيد إليها وظيفتها الأولى: أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية.
ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعلني أكتب عنها.
فالجمال الذي في وجه رانية قد يكون أول ما يستوقفك، لكنه ليس آخر ما تكتشفه فيها.
تبدأ الحكاية من العين، نعم، لكنها لا تنتهي هناك.
تنتقل من الملامح إلى الحضور، ومن الحضور إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الروح.
وهذا هو الفارق بين امرأة جميلة تمرّ في الذاكرة، وشاعرة جميلة تترك في الذاكرة قصيدة.
رانية مرعي تكتب كما لو أن وراء كل نص بابًا، ووراء كل باب امرأة تبحث عن حريتها، ورجلًا يبحث عن قلبه، ووطنًا يبحث عن خلاصه، وإنسانًا يحاول أن ينجو من نفسه.
وهنا يصبح الشعر أكثر من شعر.
يصبح شهادة.
ويصبح مقاومة.
ويصبح قبسًا من نار.
لكنها، وهذه مفارقتها الجميلة، لا تمسك النار بيدها عارية؛ بل تلفّها بالياسمين.
رانية مرعي… شاعرة تمشي على درب الياسمين، لكن خطاها لا تخشى النار؛ امرأةٌ يلفت جمالها العين، ويستوقف حضورها القلب، ثم تأتي الكلمة لتثبت أن وراء الجمال روحًا تعرف كيف تكتب، وكيف تحب، وكيف تترك أثرًا لا تمحوه الأيام.
وهذا، في ظني، هو أجمل ما يمكن أن يُكتب عن شاعرة:
أن يكون وجهها قصيدة، وحضورها بيتًا من الشعر، وقلمها النار التي لا تنطفئ.
