ليس كل من كتب عن الأردن كان يعرف كيف يكتبه، وليس كل من حمل لقب «إعلامي» أدرك أن الإعلام يمكن أن يكون جبهة من جبهات الدفاع عن الوطن.
لهذا أكتب عن الدكتورة الإعلامية والكاتبة رُلى السماعين.
لا لأنني أريد أن أضيف اسمًا إلى قائمة المكرّمين، ولا لأن الساحة تفتقر إلى الأسماء، بل لأن الأردن، في زمن الضجيج، يحتاج إلى أن يتوقف قليلًا عند الذين عملوا بصمت، وتركوا خلفهم أثرًا لا تصنعه الأضواء العابرة.
رُلى السماعين واحدة من هؤلاء.
امرأة اختارت أن تجعل من الكلمة مسؤولية، ومن الصحافة رسالة، ومن الكتابة نافذة يطل منها العالم على الأردن.
وهذا وحده يستحق التوقف.
ففي زمن أصبح فيه بعض الإعلام سباقًا على الظهور، اختارت السماعين طريقًا أصعب: أن تبحث عن الأردن الذي لا يظهر دائمًا في العناوين السريعة؛ الأردن الذي يعيش في الحكايات، وفي الكنائس القديمة، والمواقع الأثرية، وذاكرة الناس، وفي التعايش بين أبنائه، وفي تلك التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها حين تجتمع تصنع صورة وطن كامل.
لقد فهمت مبكرًا أن الأردن ليس مجرد مساحة على الخريطة، وأن قوة الأوطان لا تقاس بمساحتها، بل بما تحمله من تاريخ ورسالة وقيم.
فحملت قضيته إلى الصحافة، وكتبت عن الحوار بين الأديان والتعايش والسلام، وسعت إلى أن تقول للعالم إن هذا البلد الصغير في مساحته كبير في رسالته.
وهنا تكمن أهمية تجربتها.
فهي لم تتعامل مع الحوار بين الأديان والتعايش باعتبارهما موضوعين للكتابة فحسب، بل جعلتهما جزءًا من مشروعها الإعلامي والثقافي؛ مشروعًا يؤمن بأن الأردن يمتلك تجربة تستحق أن تُسمع، وأن التعايش ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُعاش.
ثم كتبت.
وعندما يكتب الصحفي كتابًا، فهو لا يضع حبرًا على ورق فقط؛ إنه يوثق مرحلة، ويحفظ ذاكرة، ويترك للأجيال شهادة من زمنه.
في «حصن السلام»، لم تكتفِ رُلى السماعين بالحديث عن الأردن، بل سعت إلى تقديم تجربته في الحوار والتعايش بوصفها نموذجًا يستحق أن يُقرأ خارج حدوده.
ثم جاءت «نحو الهزيع الرابع»، وروايتها «تفوح ناردينًا»، لتؤكدا أن علاقتها بالكلمة لم تكن يومًا علاقة مهنة فقط.
إنها علاقة حياة.
لكن القصة لم تتوقف عند الصحافة والكتاب.
فحين اتجهت إلى الثقافة والتراث والسياحة، لم يكن ذلك خروجًا عن مشروعها، بل امتدادًا طبيعيًا له.
وكأنها تقول: إذا كان الأردن قد أعطانا كل هذه الحكايات، فمن واجبنا أن نحكيها.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة تجربتها.
فالوطن لا يُدافع عنه فقط بالبندقية.
هناك من يدافع عنه بالعلم، ومن يدافع عنه بالاقتصاد، ومن يقف دفاعًا عنه في الميدان.
وهناك من يدافع عنه بالصورة والكلمة والحكاية.
رُلى اختارت جبهة الكلمة.
اختارت أن تقول للعالم إن الأردن ليس خبرًا عابرًا، ولا بلدًا هامشيًا في دفتر الجغرافيا.
الأردن حضارة. الأردن رسالة. الأردن ذاكرة. الأردن نموذج للعيش المشترك.
والأردن، قبل كل شيء، وطن يستحق أن يُروى كما هو: بكرامة وثقة واعتزاز.
ولهذا لا أريد أن أختصر رُلى السماعين في عبارة «إعلامية وكاتبة أردنية».
هذا الوصف صحيح، لكنه لا يكفي.
الأدق أنها صوت من أصوات الأردن التي اختارت أن تعمل بدل أن تكتفي بالكلام.
وفي زمن تزدحم فيه الساحة بالأصوات، بينما تقل الأصوات التي تمتلك مشروعًا، يصبح الاحتفاء بمن لديهم مشروع نوعًا من الإنصاف.
لأن الإعلام ليس شهرة فقط. والكتابة ليست ظهورًا. والوطنية ليست منشورًا عابرًا.
الوطنية أن تعمل عندما يهدأ التصفيق. أن تبحث عن موقع أثري لا يعرفه العالم. أن تفتح نافذة على قصة أردنية تستحق أن تُروى. أن تحفظ ذاكرة. أن تصنع جسورًا بين الناس. أن تقدم بلدك للعالم دون أن تفقده في الطريق. وهذا ما يجعل تجربة الدكتورة رُلى جديرة بالكتابة. فكم من أسماء صنعتها الشهرة ثم انتهت بانتهائها؟
وكم من شخصيات صنعتها المنصات ثم اختفت عندما أغلقت الكاميرات؟
لكن هناك أسماء أخرى تُبنى على شيء مختلف: على سنوات من العمل. على الكتب. على المقالات. على المبادرات.
على البحث والتوثيق. على العلاقات التي تُبنى بين الناس. وعلى صورة وطن تُنقل إلى العالم. هذه هي الأسماء التي تبقى. رُلى السماعين تستحق أن تكون واحدة منها.
لذلك أكتب عنها اليوم.
لأنني أؤمن أن من الظلم أن ننتظر رحيل أصحاب التجارب حتى نكتشف قيمتهم.
ومن الظلم أن تظل الأصوات الوطنية الحقيقية غارقة وسط ضجيج من لم يقدموا للوطن إلا الكلام.
ومن الظلم أيضًا أن نبحث عن الأبطال دائمًا في الأماكن الصاخبة، بينما قد يكون بعضهم جالسًا خلف مكتبه، يكتب، ويبحث، ويوثق، ويبني، ويقدم بلده للعالم، دون أن يطلب شيئًا سوى أن تصل الرسالة.
رُلى السماعين… قد يختلف الناس في تقييم تجربة إعلامية هنا أو كتاب هناك، وهذا حق طبيعي.
لكن ما يصعب إنكاره هو أن هناك من مثل رلى قد اختارت ومنذ سنوات أن تجعل الأردن محورًا في عملها، وأن تحمل صورته إلى الخارج، وأن تدافع عن قيم التعايش والسلام والثقافة والتراث بالكلمة.
وهذا في زمننا ليس أمرًا بسيطًا.
إنه عمل وطني من نوع آخر.
عمل لا تصاحبه البنادق، ولا المواكب، ولا الضجيج.
لكن أثره قد يبقى أطول.
فالوطن الذي لا يحسن رواية قصته، يترك الآخرين يروونها عنه.
ورُلى السماعين اختارت ألا تترك الآخرين وحدهم يروون قصة الأردن.
اختارت أن ترويها هي.
ولهذا أكتب عنها.
لا مجاملة.
ولا بحثًا عن لقب.
ولا صناعةً لبطولة من فراغ.
بل لأن بعض الأردنيين يستحقون أن نقول لهم، وهم بيننا: شكرًا لأنكم حملتم صورة هذا الوطن بأمانة. شكرًا لأنكم أثبتم أن الوطنية ليست دائمًا صوتًا مرتفعًا. أحيانًا تكون الوطنية كتابًا. وأحيانًا مقالًا. وأحيانًا صورةً تُظهر للأجيال ما كاد يضيع من الذاكرة. وأحيانًا تكون جسرًا بين إنسان وإنسان.
وأحيانًا… الوطنية قلم. وحين يكون القلم صادقًا، تصبح الكتابة فعلًا من أفعال الانتماء. وأحيانًا يكون ذلك القلم امرأة اسمها: رُلى السماعين.
