في الأردن، هناك فرق بين مؤسسة تنفذ مشروعًا، ومؤسسة تترك أثرًا. وهناك فرق أكبر بين فعالية تنتهي بانتهاء جلساتها، ومبادرة تتحول إلى فكرة وطنية تستحق أن تُسمع وتُناقش وتُبنى عليها سياسات المستقبل.
ومن هذا الباب تحديدًا، تستحق بلان إنترناشونال الأردن الإشادة وهي تفتح، من خلال مشروع “نجاحنا”، ملفًا بالغ الأهمية بعنوان: مستقبل العمل اللائق في الأردن في زمن التحولات الكبرى.
ما جرى في عمّان لم يكن مجرد جلسة نقاش لورقة سياسات، بل كان رسالة واضحة بأن الأردن قادر على أن يناقش تحديات سوق العمل بعين مفتوحة على المستقبل، وبعقلية تجمع بين حماية حقوق الإنسان والاستعداد للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
فالعالم يتغير بسرعة. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف، والأتمتة تغير طبيعة المهن، والعمل عن بُعد والمرن يفتحان أبوابًا جديدة، والاقتصاد الرقمي يفرض مهارات مختلفة. وفي خضم هذه التحولات، يصبح السؤال الوطني الأهم: كيف نضمن أن يبقى الإنسان في قلب سوق العمل؟ وكيف نحول التغيير إلى فرصة لشباب الأردن بدل أن يتحول إلى فجوة جديدة؟
هنا تحديدًا تظهر قيمة ما تقوم به بلان إنترناشونال.
المؤسسة لم تكتفِ برفع الشعارات، بل بنت على خمسة أعوام من العمل والمعرفة والخبرة والأدلة، ثم وضعت هذه التجربة أمام طاولة الحوار الوطني، بحضور الحكومة والقطاع الخاص والعمال والمجتمع المدني والخبراء وشركاء التنمية.
وهذه هي التنمية التي تستحق أن تُحترم: تنمية تنزل إلى الميدان، وتستمع للناس، وتقرأ الواقع، ثم تعود لتطرح أسئلة صعبة على صانع القرار.
وفي مقدمة هذا النهج تقف حميدة جهامه، مديرة مكتب بلان إنترناشونال الأردن، بصورة قيادة تنموية تعرف أن قيمة المؤسسة لا تقاس بعدد المشاريع التي تنفذها، بل بحجم الأثر الذي تتركه وراءها.
رسالتها في افتتاح الجلسة كانت واضحة: المعرفة التي تراكمت خلال السنوات الخمس الماضية يجب ألا تبقى داخل ملفات وتقارير، بل يجب أن تتحول إلى نقاش عملي حول الإصلاح.
وهذه العبارة تختصر فلسفة قيادية تستحق التقدير.
فحين تتحول خبرة مشروع إلى ورقة سياسات، وحين تتحول الورقة إلى حوار يجمع مختلف الأطراف، وحين يصبح الحوار مدخلًا لتوصيات قابلة للنقاش والتطوير، فإننا لا نتحدث عن نشاط عابر، وإنما عن استثمار حقيقي في مستقبل الأردن.
والأهم أن الورقة لم تتعامل مع العمل اللائق باعتباره مجرد قضية أجور أو تشريعات، بل نظرت إلى المشهد كاملًا: الحماية الاجتماعية، السلامة والصحة المهنية، الإدماج، النوع الاجتماعي، الأطر التنظيمية، أنماط العمل الجديدة، والآثار الاقتصادية للتحول في سوق العمل.
وهذا بالضبط ما يحتاجه الأردن: نظرة شاملة لا تخاف من المستقبل، ولا تترك الإنسان خلفها وهي تتقدم نحو التكنولوجيا.
إن قوة مبادرة “نجاحنا” تكمن أيضًا في نموذج الشراكة الذي تقوده بلان إنترناشونال، بالتعاون مع المجلس النرويجي للاجئين، والجمعية الملكية للتوعية الصحية، واتحاد الصناعات الدنماركي، وIncludovate، وبدعم من مؤسسة نوفو نورديسك.
هذه ليست شراكة من أجل عنوان جميل؛ إنها شراكة تجمع خبرات متنوعة حول هدف وطني واضح: تمكين الشباب الأردني وفتح الطريق أمامهم نحو التعليم والعمل اللائق والمشاركة الاقتصادية.
ومن هنا، فإن الإشادة ببلان إنترناشونال الأردن ليست إشادة بمؤسسة دولية تعمل في الأردن فحسب، بل تقدير لدور تنموي أصبح له حضور وبصمة في قضايا تمس صميم المستقبل الأردني.
فالشباب الأردني لا يحتاج فقط إلى من يقول له إن المستقبل قادم؛ بل يحتاج إلى مؤسسات تعمل اليوم حتى يكون مستعدًا له.
ويحتاج سوق العمل الأردني إلى من يقرأ التحولات قبل أن تصبح أزمات، وإلى من يفتح النقاش حول التشريعات والحماية الاجتماعية والمهارات والإدماج قبل أن تتسع الفجوات.
وهنا تكمن البصمة.
أن تعمل بلان إنترناشونال اليوم على أسئلة الغد.
وأن تجعل من تمكين الشباب قضية سياسات عامة، لا مجرد عنوان لمشروع.
وأن تضع العمل اللائق في قلب الحديث عن التنمية الاقتصادية.
وأن تجمع المختلفين حول طاولة واحدة عندما يكون المطلوب هو بناء حلول أردنية قابلة للحياة.
لقد أكدت جلسة عمّان أن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في بناء القدرات، بل في بناء الأفكار التي تستطيع أن تحرك السياسات.
ولذلك، فإن ما تقوم به بلان إنترناشونال الأردن بقيادة حميدة جهامه يستحق أن يُقرأ باعتباره جزءًا من قصة وطنية أكبر: قصة الأردن الذي يريد أن يواكب المستقبل، ولكن دون أن يتخلى عن الإنسان.
هذه هي البصمة التي تبقى.
مشروع ينتهي، لكن معرفة تبقى.
جلسة تنتهي، لكن حوارًا يبدأ.
ورقة تُنشر، لكن فكرة تصل إلى صانع القرار.
وشباب يُمكَّن اليوم، ليكون شريكًا في بناء الأردن غدًا.
وهنا تحديدًا تستحق بلان إنترناشونال الأردن أن نقول لها: شكرًا لأنكم لا تكتفون بأن تكونوا جزءًا من المشهد التنموي في الأردن، بل تعملون على ترك بصمة فيه.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه مؤسسة تنموية هو أن تساعد الأردن على أن يكون مستعدًا للمستقبل، واثقًا بشبابه، وحريصًا على كرامة الإنسان في كل خطوة نحو التقدم.
