الإعلامية ميراي برق
في الرابع من آب، لا يعود الزمن إلى الوراء، لكنه يتوقف. تتوقف الكلمات أمام مدينة ما زالت تحمل على جدرانها آثار الانفجار، وفي قلوب أهلها آثار الفقد. ليس الرابع من آب مجرد تاريخ على صفحات التقويم، بل صرخة لا تزال تتردد في سماء بيروت. يومٌ انقسم فيه الزمن إلى ما قبله وما بعده، وسقطت فيه البيوت، وتهشمت الأرواح، وتحولت مدينة كانت تنبض بالحياة إلى مشهد من الركام والرماد.
لم يكن انفجار مرفأ بيروت مجرد كارثة عابرة، بل لحظة غيّرت تاريخ مدينة، وكسرت حياة آلاف العائلات، وتركَت وطنًا بأكمله يواجه سؤالًا لا يزال حاضرًا: كيف حدث هذا؟ وبعد سنوات، لا يزال السؤال يطارد الضمائر، فيما تبقى الحقيقة الكاملة والعدالة مطلبًا يرفعه أهالي الضحايا والناجون. فالزمن قد يداوي الجراح، لكنه لا يمحو المسؤولية، ولا يطفئ حق الناس في معرفة ما جرى ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون.
لقد رحل الضحايا، لكن أسماءهم لم ترحل. بقيت في ذاكرة الشوارع التي شهدت الدمار، وفي عيون الأمهات والآباء والأبناء الذين ما زالوا ينتظرون عدالة توازي حجم المأساة. فالدم لا يسقط بالتقادم، والحق لا يختفي لأن الزمن مضى.
إن الأخطر من الانفجار ليس الدمار الذي خلّفه، بل أن يتحول إلى ذكرى موسمية تُلقى فيها الخطب، ثم تُطوى الملفات ويُترك الجرح مفتوحًا. فحين يصبح النسيان سياسة، يصبح الصمت خطرًا، وتتحول الذاكرة إلى آخر خطوط الدفاع عن الوطن. إن إحياء هذه الذكرى ليس استدعاءً للحزن من أجل الحزن، ولا محاولة للعيش في الماضي، بل تأكيدٌ أن المجتمعات التي تنسى مآسيها تُعرّض نفسها لتكرارها. فالذاكرة ليست عبئًا، بل مسؤولية، والعدالة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل أساسٌ لأي دولة تحترم مواطنيها.
بيروت لا تحتاج إلى دموع تُذرف أمام الكاميرات، ولا إلى خطابات تتقن فن الرثاء. تحتاج إلى دولة تُقدّس حياة مواطنيها، وإلى مؤسسات قوية، وقضاءٍ مستقل، وحقيقةٍ واضحة، وعدالةٍ لا تعرف الانتقائية ولا تخضع للضغوط. فالعدالة التي تتأخر طويلًا تترك جرحًا مفتوحًا في جسد الوطن، لكنها تبقى حقًا لا يسقط بمرور الزمن.
في هذا اليوم، لا نحيي ذكرى مأساة فحسب، بل نجدد عهدًا أخلاقيًا بأن أرواح الضحايا ليست أرقامًا، وأن الألم الذي عاشته بيروت ليس خبرًا انتهت صلاحيته. فالأوطان لا تُبنى بالخطابات، بل بالمساءلة، ولا تنهض إلا حين تكون حياة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار.
وفي هذه الذكرى، تنحني الرؤوس احترامًا لأرواح الضحايا، وتتجدد مشاعر التضامن مع الجرحى والناجين وكل من فقد عزيزًا أو بيتًا أو حلمًا. فتكريم الضحايا لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالتمسك بالحقيقة، وبالعمل على بناء مستقبل يمنع تكرار مثل هذه المآسي.
ستبقى بيروت مدينةً تعرف الألم، لكنها تعرف أيضًا معنى الصمود. وستبقى أكبر من الركام، وأقوى من اليأس، وأصدق من كل خطاب لا يترجم إلى حقيقة وعدالة. وسيبقى الرابع من آب يومًا للحزن والوفاء والذاكرة، وتذكيرًا بأن الكرامة الإنسانية والحق والعدالة قيمٌ لا ينبغي أن تغيب مهما طال الزمن.
