قبل نشأة “إسرائيل” وبدء موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، عاش اليهود في فلسطين ضمن النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وتعامل معهم الشعب الفلسطيني بروح من التعايش، بعيدًا عن أي تمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون. إلا أن المشروع الصهيوني، الذي تعزز بعد المؤتمر الصهيوني الأول، حمل أهدافًا سياسية واستيطانية تجاوزت فكرة الهجرة أو اللجوء، واتجه نحو السيطرة التدريجية على فلسطين من خلال تكثيف الهجرة اليهودية وإقامة مشروع استعماري استيطاني انتهى بقيام دولة “إسرائيل” واحتلال الأراضي الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، فإن استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية، برأيي، لا يمكن أن تتحقق عبر المفاوضات مع سلطة احتلال، ولا من خلال الرهان على اختراق المجتمع الإسرائيلي. فقد أظهرت التجربة السياسية، على امتداد العقود الماضية، تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة وسيطرتها على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، في مقابل تراجع الأصوات الإسرائيلية التي كانت تدعو إلى الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
كما أن معظم الأحزاب الإسرائيلية، على اختلاف توجهاتها، ترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وترفض الاعتراف بدولة فلسطين، أو بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، أو بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية.
لقد راهن فريق من الفلسطينيين، منذ إقرار برنامج النقاط العشر في الدورة العاشرة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، وفي أعقاب حرب أكتوبر 1973، على إمكانية فتح مسار سياسي من خلال الحوار مع بعض الشخصيات والأحزاب الإسرائيلية، وصولًا إلى تسوية سياسية تقوم على مبدأ حل الدولتين. غير أن الوقائع، وفق هذا الرأي، أثبتت محدودية هذا الرهان، خاصة بعد إغتيال رئيس الوزراء أسحق ربين، إذ لم تتمكن أي حكومة إسرائيلية من الخروج عن الإطار العام للمشروع الصهيوني وسياساته تجاه القضية الفلسطينية.
وتعزز الأحداث الجارية هذا الاستنتاج؛ فالحرب على قطاع غزة، وما رافقها من مجازر وإبادة جماعية، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية في الضفة الغربية والقدس، ومصادرة الأراضي، وتوسع الاستيطان، واعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين، المتكررة تعكس استمرار النهج القائم على فرض الوقائع بالقوة، وتقوض حل الدولتين
إن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، من قتل ودمار ونزوح ومعاناة يؤكد، أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.
ورغم كل التحديات، سيواصل الشعب الفلسطيني تمسكه بحقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، انطلاقًا من إيمانه بعدالة قضيته، وإصراره على نيل حقوقه الوطنية.
ويبقى قول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش معبرًا عن هذا الإيمان:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”
4
