في كل مرة تصرّ الفنانة التشكيلية العالمية باسكال حرب على إدخال عنصر المفاجأة إلى تجربتها الإبداعية، تؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تُحاصر في مساحة واحدة، وأن الفنان الكبير هو من يمتلك القدرة على التجدد، وعلى اكتشاف آفاق جديدة تضاف إلى رصيده الفني.
فبعد أن أثبتت حضورها المميز في عالم الفن التشكيلي، وسارت بخطى ثابتة نحو العالمية التي تليق بتميزها ورؤيتها الخاصة، تفاجئنا اليوم بوجه إبداعي آخر: وجه الكاتبة التي تمسك بالكلمة كما تمسك بالفرشاة، وتحول المشاعر إلى لوحات نابضة بالحياة.
في نصها “شوق مجنونة”، لا تقدم باسكال حرب مجرد خاطرة عاطفية، بل تغوص في أعماق النفس الإنسانية، لترسم حالة وجدانية معقدة يتداخل فيها الشوق مع الكبرياء، والحب مع الخوف، والعتاب مع الحاجة العميقة إلى الأمان. لقد نجحت في بناء صورة نفسية متدرجة ومتماسكة، تبدأ من ظاهر الغضب لتنتهي عند جوهره الحقيقي: قلب يبحث عن الطمأنينة ويخشى الفقد.
النص يحمل قدرة واضحة على نقل الانفعال، فالكلمات لا تأتي باردة أو وصفية، بل تتحرك كأنها ألوان على لوحة داخلية، ترسم صراع الإنسان بين الرغبة في الاقتراب والخوف من الانكسار. وحتى عندما يطول المسار العاطفي للنص، فإنه يبقى مشحونًا بطاقة شعورية تجعل القارئ يعيش تفاصيل ذلك الصراع بين امرأة تريد أن تقول “اشتقت إليك”، لكنها تختار أن تقول “أهملتني”، لأن الكبرياء أحيانًا يكون اللغة البديلة عن الاعتراف.
وهنا تكمن قوة النص؛ فـ “شوق مجنونة” ليس عن الغضب بقدر ما هو عن الأسباب الخفية خلف الغضب. إنه عن ذلك الجزء الهش في داخل الإنسان الذي يبحث عن إشارة صغيرة تؤكد أنه ما زال حاضرًا في قلب الآخر. إنه عن المعركة الصامتة بين قلب يريد البقاء وكبرياء يحاول حماية صاحبه من الخذلان.
إن تجربة باسكال حرب الأدبية تحمل بصمتها الفنية الخاصة؛ فهي لا تكتفي برؤية الجمال في الشكل واللون، بل تبحث عنه أيضًا في المشاعر والتفاصيل الإنسانية. وكما تستخدم الضوء والظل في لوحاتها، تستخدم في نصها الصمت والاعتراف، الحضور والغياب، القوة والضعف، لتصنع لوحة شعورية مكتوبة بحس فنانة تعرف كيف تلامس الروح.
باسكال حرب لا تفاجئ العين فقط، بل تفاجئ الإحساس أيضًا. فهي تثبت مع كل تجربة جديدة أن الفنان الحقيقي لا يملك موهبة واحدة، بل يمتلك روحًا مبدعة قادرة على التعبير بأكثر من لغة.
ويبقى نص “شوق مجنونة” شهادة جديدة على أن الإبداع حين يكون صادقًا لا يحتاج إلى حدود؛ فمرة يُولد من لون على قماش، ومرة يُولد من كلمة في قلب، وفي الحالتين يصل إلى المتلقي محملًا بالجمال والدهشة.
كل التقدير لفنانة تواصل رسم طريقها نحو آفاق أوسع، وتثبت أن العالمية ليست مجرد لقب، بل نتيجة طبيعية لإبداع متجدد لا يعرف التوقف.
202
