لا يختلف اثنان في أن وزارة التربية استطاعت أن تثبت قواعد مهمة في جودة التعليم ومكافحة الغش، ونزاهة اختباراتها، ونجحت بذلك، حيث شهدنا وأداً للظاهرة قبل بدء الاختبارات النهائية للعام الحالي، الا انه ومع اعلان نتائج الثانوية العامة، ووجود كم هائل من الطلبة المتفوقين، يبدو السؤال مشروعاً، هل ما زالت الاختبارات قادرة على قياس مستوى التحصيل العلمي للطلبة؟ حتى في ظل نزاهتها!
فبنظرة سريعة على نتائج القسم العلمي فقط، حصل أكثر من 1800 طالب وطالبة على نسبة %99 فأعلى، ولكم أن تتخيلوا أن عدد الفائقين الحاصلين على أكثر من %90 أو %95 تجاوز آلاف الطلبة في القسمين، بينما أكثر من 50 طالباً وطالبة حصلوا على النسبة الكاملة %100، التي كانت ضرباً من خيال في العقود الماضية عندما كان التعليم يؤسس، والاختبار يقيس مهارات وتحصيل علمي بالفعل!
وبرغم انه لا أحد يشكك بجهود الطلبة، أو وزارة التربية على حد سواء، في ضمان نزاهة الاختبارات ومكافحة الغش، فإن الاختبارات، بهذه النتائج تدق ناقوس الخطر، والهدف من الاختبار ليس انتاج أكبر عدد من الفائقين، بل هو أداة قياس لمدى التحصيل العلمي للطالب، وهذه الأداة هي التي ستكون بوابته لإكمال تعليمه العالي، وهذه النسب المرتفعة، تبقي المطالبة مشروعة بضرورة مراجعة آلية الاختبار، ومدى نجاحه في قياس مستوى التحصيل العلمي للطلبة، خاصة في ظل وجود تعثر تعليمي لدى بعض الطلبة، في مراحل التعليم المتقدمة في الجامعة، وفق متابعة لما نقله بعض الأساتذة في أوقات سابقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل هذه النتائج مناسبة لطرح ملف أكثر أهمية في التعليم، وهو ضرورة إعادة احياء مشروع تنويع مسارات التعليم الثانوي، فإحدى أبرز ملامح عدم مرونة نظامنا التعليمي تكمن في انه ما زال يقسم الطلبة على قسمين في الغالب، علمي وأدبي الى جانب التعليم الديني، بينما دول عديدة تجاوزت هذه التصنيفات منذ سنوات، ونوعت مسارات تعليمها الثانوي.
وتكمن أهمية هذا التنويع في أن هناك طلبة، قد لا يبرعون في الحفظ على سبيل المثال، أو مواد دراسية كالكيمياء والأدب وغيرها، لكنهم قادرون على سبيل المثال على تصميم تطبيقات الكترونية، أو برمجة روبوت أو تشغيل آلات صناعية وغيرها من مهارات وحرف، فلماذا لا يكون لدينا مسارات متنوعة تحتضن هذه المهارات؟!
ولا تبدو الفكرة مستغربة، فسبق أن قرأت عن مشروع تنموي تطرحه وزارة التربية يتحدث عن تنويع مسارات التعليم الثانوي وخلق مسارات كالمسار القانوني والهندسي ونظم المعلومات والفنون وغيرها من مسارات، خاصة أن هذا المشروع اذا ما رأى النور سيكون هو جوهر تنمية الكوادر البشرية وتخريج رأسمال بشري متوافق مع احتياجات سوق العمل المتطورة والمهن المستحدثة.
فنجاح التعليم اليوم، لا يقاس بعدد الحاصلين على النسبة الكاملة، بل بعدد الشباب الذين يطورون مهاراتهم ويجدون لهم المكان المناسب، عبر احتضان مواهبهم وطاقاتهم وقدراتهم، فليس كل طالب مشروع طبيب أو مهندس، لكن كل طالب يتمكن من النجاح اذا ما وجد الطريق الأنسب بقدراته، فنحن اليوم لا نحتاج درجات.. بل كفاءات نطورها لتقود التنمية والمجتمع لاحقاً.
