إذا سألتني: ماذا نحتاج في هذه المرحلة التي علا فيها الضجيج، واختلطت الأوراق، وتصاعدت المخاطر؟ سأجيبك على الفور: نفكر بهدوء ونتصرف بعقلانيه وحزم، أعرف تماماً أن ثمة قضايا داهمتنا خلال الأسبوع الماضي أثارت نقاشات وجدالات واسعة، أعرف، أيضاً، أن المزاج العام للأردنيين مشوب بالتوتر والقلق، ومشبع بالإحباط، مهمة إدارات الدولة ونخب بالمجتمع أن تضبط الوضع العام في بلدنا على إيقاع المصالح العليا للدولة، أقصد الإدارة بحكمة ومسؤولية، بعيداً عن أي حسابات أو صراعات أو مصالح شخصية.
صحيح، لدينا – مثل غيرنا – فساد لم تكسر عينه بعد، واجب الحكومة أن تفتح ملفاته، وتفكك شبكاته، مالياً كان او إدارياً، وتحاسب من تورط فيها، الفيصل هو القضاء الأردني الذي نحترمه، وقاعدة المحاسبة يجب أن تشمل الجميع، الدولة متى أرادت تفرض إرادتها بالقانون، ولا شي يثير غضب الأردنيين أكثر من الحديث عن الفساد، ومن حقهم أن يروا إجراءات مكافحته واقعاً يمشي على الأرض، بدل أن يتحول إلى انطباعات تضع الجميع في سلة اتهامات واحدة.
صحيح، أيضاً، لدينا طبقة من المسؤولين وطبقة من السياسيين ما زالوا يتعاملون مع المجتمع، وأحيانا مع الأردن، بمنطق الاستهانة والانتقاص، ويثيرون بالتالي غضب الأردنيين، شهدنا أكثر من واقعة تؤكد ذلك، هؤلاء يجب أن نتعامل معهم بحزم، لا يجوز أن تسمح إدارات الدولة لأي شخص مهما كان أن يخاطب الناس أو يتعامل معهم باستعلاء، من يمثل الدولة ويتحدث باسمها يجب أن يعبر عن مبادئها وقيمها وخطابها، أي خروج عن هذا السياق إساءة للدولة، وللأردنيين أيضاً.
صحيح، ثالثاً، لدينا أوضاع اقتصادية صعبة، بعض الأردنيين يعانون من حالة اختناق في المعيشة، آخرون يشعرون بالمظلومية وغياب العدالة، لدينا جرائم مستجدة لم يألفها مجتمعنا، مخدرات تتدفق من الحدود وتشكل تهديداً لمستقبل ابنائنا، لدينا تراجعات في الخدمة العامة في قطاعات حيوية، كل هذا وغيره مفهوم في سياق تراكمات من التقصير والأخطاء، وظروف داخلية وإقليمية معروفة، المهم أن نؤسس لإرادة عنوانها «الإستدارة للداخل الأردني»، بالأفعال لا بالشعارات، وأن تكون خدمة الأردني وتقديم ما يحتاجه أولوية لا تتقدم عليها أي أولوية أخرى.
أمام هذا الواقع المثقل بالهموم والمشكلات والأخطاء المتراكمة، ناهيك عن ملفات خارجية تحمل هواجس أثقل وأكبر، لا بد أن نوجّه نقاشاتنا العامة نحو عناوين تغذي منعة الدولة وصمودها، ولا تشكل عناصر للتشتيت والإلهاء، ثم لا بد أن نضع قضايانا في إطارها الصحيح بلا تهوين ولا تهويل، لدينا فساد لكن بلدنا ليس مستنقع فساد، لدينا تجاوزات في الادارة لكن إدارتنا العامة ما زالت تتمتع بقدر من العافية، نريد أن نحافظ على بلدنا ونعالج أخطاءنا، لكن بهدوء وبدون استعراض، هذه الرسالة يجب أن نفهمها وتصل للجميع.
