في الحروب التقليدية نعرف العدو، نراه ونتأهب لمواجهته، وأما في حرب المخدرات، فالعدو صامت، يتسلل دون ضجيج، يختبئ خلف الأبواب المغلقة، ويتسلل إلى النفوس قبل البيوت، وإلى الأرواح قبل الأجساد.
إنها حرب لا تُسمع فيها صفارات الإنذار، ولا تُرى فيها الجبهات، لكنها قد تكون من أخطر الحروب التي تواجه المجتمعات الحديثة؛ لأنها تستهدف الإنسان في جوهره، وتسلبه عقله وإرادته وقدرته على الحلم، ثم تمتد لتصيب الأسرة والمجتمع والوطن بأسره.
في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة المخدرات، ليست مناسبة رمزية فحسب، بل تذكير جماعي بخطر يتجاوز الحدود والجغرافيا والثقافات. فوفق بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تجاوز عدد متعاطي المخدرات حول العالم الـ 316 مليون شخص عام 2023، وهو رقم يكشف حجم المأساة التي يعيشها العالم، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومات والمؤسسات والأسر.
المخدرات ليست مجرد مادة تُستهلك أو مجرد سلوك منحرف يمكن علاجه بسهولة، بل إنها عالم موازٍ يأخذ الإنسان إلى بُعد آخر من الحياة؛ عالم مخيف معتم يفقد فيه الإنسان تدريجياً إحساسه بذاته، وعلاقته بأسرته، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم. تبدأ القصة غالباً بتجربة عابرة، أو لحظة ضعف، أو فضول يراد إشباعه، لكنها قد تنتهي بفقدان الإنسان لحياته، أو لفقدان الأسرة لأحد أبنائها، أو لضياع مستقبل كان من الممكن أن يكون مختلفاً.
وفي الأردن، تتجسد هذه المواجهة يومياً من خلال الجهود الكبيرة التي تبذلها إدارة مكافحة المخدرات في مديرية الأمن العام. وتأتي فعاليات هذا العام تحت شعار» بالوعي نكسر الحلقة»، وهو شعار يحمل دلالة عميقة؛ فالمخدرات لا تصل إلى المتعاطي فجأة، بل تمر عبر سلسلة من الأحداث والظروف والعلاقات، وكسر أي حلقة من هذه السلسلة قد يعني إنقاذ حياة كاملة.
وخلال الفعاليات والندوات حول المملكة التي نُظمت بهذه المناسبة منذ بداية هذا الشهر واستمراراً لشهر اّب، تبرز حقيقة مهمة مفادها أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتحدياته الإقليمية، يمثل خط دفاع متقدماً في مواجهة شبكات التهريب المنظمة والعابرة للحدود، ورغم تعقيد هذه التحديات، فإن الجهود الأمنية والوقائية والتوعوية تواصل عملها بصمت وكفاءة ومسؤولية.
نشامى الامن العام في مكافحة المخدرات يواجهون أصعب الظروف و أقسى أنواع البشر من المجرمين، وهم في مواجهة دائمة مع الفكرة، فكرة الموت البطيء، والحالات التي غالبيتها تكون مستعصية، ويواجهون تجارة تستثمر في ضعف الإنسان، وتستغله، وتستهدف حياته. وقد دفع بعض من مرتبات مكافحة المخدرات حياتهم ثمناً لهذه الرسالة، فارتقوا شهداء وهم يدافعون عن المجتمع، وعن مستقبل أبنائه، وعن حق الأسر في أن تنام مطمئنة.
المخدرات لا تقتل الجسد فقط، بل تبدأ بتآكل الروح، تعفن العقل وتشوشه، وتسرق الإرادة، وتفكك العلاقات، وتطفئ النور الداخلي للإنسان.
وهنا تأتي أهمية الوعي. الوعي البعيد عن الشعارات، ذلك الوعي الذي هو الحصن الأول، ويبدأ من الأسرة، ومن الحوار مع الأبناء، ومن المدرسة، ومن الجامعة، ومن الإعلام، ومن الخطاب الديني والثقافي، ومن قدرة المجتمع على أن يميز بين الصديق الحقيقي ومن يبيع الوهم والموت.
مسؤولية مواجهة المخدرات هي مسؤولية وطن بأكمله، وكل كلمة توعية، وكل أسرة متماسكة، وكل معلم مخلص، وكل صديق صادق، قد يكون سبباً في كسر الحلقة قبل أن تكتمل. والحقيقة تبقى أن المخدرات ليست قدراً، أو موروثا عائليا، وأن الوقاية منها ممكنة، وأن الخطوة الاولى هي الوعي الذي يصنع الفرق، وأن المجتمع المتماسك قادر على حماية أبنائه.
نحمد الله لان في أردن النشامى، هناك نشامى من نوع آخر. رجال ونساء يعملون بصمت، يحملون قلق الوطن في عيونهم، ويجوبون المدن والحدود والأحياء دفاعاً عن أبنائنا. يدركون أن هذه الآفة لا تعرف ديناً أو لوناً أو طبقة اجتماعية، وأنها لا تميز بين شاب وفتاة، أو بين غني وفقير، بل تبحث فقط عن لحظة ضعف قد تتحول إلى مأساة، نشامى إدارة مكافحة المخدرات في مديرية الأمن العام.
وإليكم نقول إن كثيراً من الناس قد لا يرون حجم العمل الذي تقومون به، لكنهم يعيشون نتائجه كل يوم أمناً وطمأنينة واستقراراً. أنتم لا تحرسون الحدود فقط، بل تحرسون الأحلام، وتحفظون الأسر، وتحملون عن المجتمع عبئاً ثقيلاً لا يعرفه إلا من اقترب من هذه المعركة. حماكم الله.
حمى الله الوطن.
*إعلامية وكاتبة مختصة في شؤون الحوارات والسِلم المجتمعي
