من المعتاد بصورة عامة أن ينحصر النقاش الاقتصادي المتعلق بأداء سوق العمل في مؤشر واحد هو معدل البطالة، وكأن انخفاض أو ارتفاع هذا المؤشر وحده يكفي للحكم على الأداء الاقتصادي. إلا أن الاقتصادات الحديثة لم تعد تنظر إلى البطالة باعتبارها المؤشر الوحيد، بل أصبحت تركز على مفاهيم اقتصادية اخرى ايضاً ترتبط بالمشاركة الاقتصادية، وفرص العمل اللائق، والمهارات، والإنتاجية، والقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية. وهذا ما يجعل قراءة سوق العمل أكثر عمقاً من مجرد متابعة الأرقام الفصلية.
ضمن هذه السياقات صدرت ورقة بحثية مهمة أعدها مجموعة من الباحثين ونشرها المنتدى الاقتصادي للبحوث بالتعاون مع دائرة الإحصاءات العامة وبدعم عدد من المؤسسات الدولية.
أهمية هذه الورقة تأتي لأنها تعتمد على مسح تتبعي للأسر والأفراد منذ عام ٢٠١٠ حتى ٢٠٢٥، بما يتيح فهم التغيرات في سوق العمل عبر الزمن، وليس مجرد رصدها في لحظة معينة.
أبرز ما تخلص اليه هذه الورقة هو استمرار الاتجاه المدفوع بالقلق والمتمثل في تراجع المشاركة الاقتصادية وارتفاع البطالة بين الأردنيين، وهي نتيجة تستحق التوقف عندها كثيراً. فالمشكلة الاقتصادية لا تكمن فقط في وجود عاطلين عن العمل، وإنما في خروج أعداد متزايدة من الأفراد من قوة العمل أصلاً والتي تملك الرغبة والقدرة في العمل، وهو ما يعني انخفاض أحد أهم عناصر الإنتاج المتمثل في رأس المال البشري وحجم الطاقات البشرية المشاركة في الإنتاج، وبالتالي تراجع القدرة والإمكانية للاقتصاد على النمو.
من الناحية الاقتصادية ينبغي عدم الخلط بين معدل البطالة ومعدل المشاركة الاقتصادية، فلكل منهما دلالة مختلفة. إذ يقيس معدل البطالة نسبة الأفراد القادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه دون أن يجدوه، بينما يقيس معدل المشاركة الاقتصادية نسبة السكان في سن العمل الذين يشاركون فعلياً في النشاط الاقتصادي، سواء كانوا يعملون أو يبحثون عن عمل. ولذلك قد ينخفض معدل البطالة أحياناً دون أن يعكس تحسناً حقيقياً في سوق العمل، إذا كان السبب هو خروج عدد من الباحثين عن العمل من قوة العمل وتوقفهم عن البحث. أما ارتفاع معدل المشاركة الاقتصادية، فهو غالباً ما يعكس زيادة الثقة بالاقتصاد واتساع قاعدة الإنتاج لأنه يعني دخول مزيد من الأفراد إلى سوق العمل، وهو ما يجعل هذا المؤشر أكثر قدرة على تقييم حيوية الاقتصاد واستدامة نموه.
من المهم أيضاً التوقف عند أحد أبرز التحولات في سوق العمل الأردني والمتمثل في طبيعته وفي أشكال فرص العمل التي يخلقها مستقبلاً، إذ لم تعد فرص العمل المتاحة باي اقتصاد على ارقام التشغيل والبطالة فحسب، بل توسعت لتشمل المهارات، والتدريب، والعمل عبر المنصات الرقمية، والوظائف الخضراء، واستخدام التكنولوجيا المالية، واتجاهات المجتمع نحو عمل المرأة. وهذا يعكس إدراكاً بأن مستقبل سوق العمل لن تحدده الوظائف التقليدية وحدها، وإنما قدرة الاقتصاد على إنتاج مهارات جديدة تتوافق مع التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر.
ومن هنا، فإن نجاح السياسات الاقتصادية يجب ألا يُقاس بعدد الوظائف التي يتم الإعلان عنها فقط، بل بقدرتها على رفع المشاركة الاقتصادية، وتحسين إنتاجية العامل، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق، وتحفيز الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة. فالاقتصاد الذي يخلق وظائف منخفضة الإنتاجية سيبقى عاجزاً عن تحقيق نمو مستدام حتى وإن انخفضت البطالة مؤقتاً.
قد تكون الرسالة الأهم التي تقدمها هذه الدراسة أن إصلاح سوق العمل لا يبدأ من مكاتب ومعارض التوظيف، وإنما من إعادة بناء العلاقة بين التعليم والتدريب والإنتاجية. وعندما تصبح البيانات الدقيقة أساساً لصنع القرار وتقييم آثاره الاقتصادية والاجتماعية، وحين تصبح السياسات أكثر كفاءة وتتحول الأرقام من مجرد مؤشرات إلى أدوات لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وخلق الفرص.
ما زلنا نرى أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الأردني ليس فقط أن يوفر عملاً لمن يبحث عنه، بل أن يعيد أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى دائرة الإنتاج والمشاركة الاقتصادية، فالمجتمعات لا تبني ازدهارها وتقدمها الاقتصادي بعدد الوظائف فحسب وإنما بعدد الأفراد الذين يساهمون في صنع هذا الازدهار والتقدم الاقتصادي.
